www.bustanbooks.com

 

  

 

 
 
 

 

 

 

 

 

طباق لمحمود درويش: عذوبة بطعم الرحيل 

عائشة البصري
في تأمل أولي لقصيدة طباق للشاعر الكبير محمود درويش. نكاد نتساءل عن شعرية القصيدة، رغم ايماننا العميق بشاعرية الشاعر. لكن بعد التخلص من دهشة القراءة الأولي. ينكشف ايقاع سردي يغلف النص ليرقي به الي شعرية بعيدة عن متناول قارئ عابر. يأخذنا هذا الايقاع السردي عبر أحداث مضت، وواقع آني، وأحداث ستأتي .في تواشج محكم بين السردي والشعري. لتصبح القصيدة حاضرا يكثف ماضيه ومستقبله بنبوءة شعرية مدهشة، في تداخل واضح بين الامكنة (نيويورك/بابل /سدوم...) يستدعي بدوره تداخلا في الأزمنة (نيويورك، نوفمبر، الشارع الخامس). (التقيت بادوارد قبل ثلاثين سنة). (عندما زرته في سدوم الجديدة، في عام ألفين واثنين..). وفي تداع ملفت يتداخل الراثي بالمرثي. محمود درويش في هذه القصيدة، يكتب شبه سيرة ذاتية من خلال مرثيته لصديقه ادوارد سعيد ويكمل مابدأه في الجدارية ـ مرثيته / وصيته (الأخيرة) ـ من تصفية حساب مع ثنائية الموت والحياة. كموضوع وجودي بات يؤرقه. يكتب احباطاته، خيباته وانكساراته .

تشابه المصائر وكذا تشابه المنطلقات والنهايات، قد يكون جسر عبور نحو جرح مماثل، حدسا اضافيا لسبر غور الآخر. فالحوار المعلن بين الشاعر وصديقه حوار مع الذات ، مرجعيته لقاءات وحوارات متفرقة مع ادوارد سعيد، مرجعية لها من القوة ما يعطي للحوار مصداقيته، ويعيد النص الي سياقه السردي من غير أن تكون لها نفس القوة للفصل بين الشخصين الراثي والمرثي. لو عدنا الي ما كتبه محمود درويش وبالضبط الي آخر اصداراته لا تعتذر عما فعلت المجموعة الأكثر حميمية والتصاقا بشخصيته وربما التي تشبهه أكثر. لاكتشفنا ملامح قوية مشتركة بين الصاحبين. في قصيدة بغيابها كونت صورتها مثلا، يكشف محمود وجع المكان: (لا مدينة في المدينة/لا هنا سوي هناك/ ولا هناك سوي هنا). في قصيدة طباق وعلي لسان ادوارد: (أنا من هناك/ وأنا من هنا/ ولست هناك، ولست هنا) في قصيدة زيتونتان: (انتقيت بداية/ وولدت كيف أردت..). يقول ادوارد في قصيدة طباق: (...ان الهوية بنت الولادة لكنها في النهاية ابداع صاحبها...).

*القصيدة تتأرجح بين ماض موعد وحاضر محبط ومستقبل ضبابي: (قبل ثلاثين عاما/ كان الزمان أقل جموحا من الآن..) كانت الطريق واضحة والايمان بالقضية خيمة تظلل الجميع.. فكان العهد والوعد (الذهاب الي الغد واتقان/ ولو بصدق الخيال ومعجزة العشب..). بالرغم من تحذير تاريخي في بداية الطريق: (سمعت هنودا / قدامي ينادونني: لا تثق بالحصان ولا بالحداثة...).
ليست مرارة الفقد وحدها تلحم هذا النص. هناك مرارة أخري، بوجوه وعناوين متعددة: طول الطريق وكبوات الحصان / رحيل بعدد المنافي/ جرح الهوية/ جرح الغياب/ قرابين الدم/ دم في الظلام / دم في النهار/ ودم في الكلام...../ وسراب يسدل الستار..
علي بعد مسافة من النص نستطيع أن نشتم رائحة الانكسار والخيبة. هل أصبحت القضية تثقل كاهل النص شعرا وفكرا..؟. أليس الشعر أفقا مفتوحا وأملا في المابعد؟ وحين يصطدم الفكر بالباب المسدود ويدخل غرفة الانعاش، فهل تقوي القصيدة علي حمل القضية؟ والي متي ستتحمل شعرية القصيدة تآكل الحلم؟

* بين نيويورك وبابل وسدوم. بين ما كان وما يحدث وما سيكون يتنقل الجرح، بلا حقائب بلا جوازات سفر... في كل محطة يترك قطرة دم ويرحل... في كل مطار يترك وخزة ألم ويرحل... في كل بلاد يترك عيونا من نبيذ وعسل ويرحل.... فارس لايترجل. ربما (في السفر الحر بين الثقافات/.. مقاعد كافية للجميع)
بين أول لقاء (التقيت بادوارد، منذ ثلاثين سنة..) وآخر لقاء (عندما زرته في سدوم الجديدة / في عام ألفين واثنين..) يرسم الشاعر تجاعيد الزمن المغبر، أخاديد الألم، لوعة الغياب. يعدد جروحا بعدد سنوات المنفي: جرح الهوية (أنا المتعدد، في داخلي خارجي المتجدد) (أنا اثنان في واحد..) جرح اللغة: (لي لغة انجليزية للكتابة... ولي لغة من حوار السماء). مفارقات الاسم (لي اسمان يلتقيان ويفترقان). خدوش الأمكنة علي جسد المنفي: (يحب بلادا ويرحل عنها..)... يخفي خيبته/ جرحه في تابوت الفقد.. لو كشف الشعر خيبته لضاع الأمل /الوطن. (لا غد في الأمس.... فلنتقدم اذا).

(والهوية؟ قلت..). من أنت بين منفين باطني وخارجي؟ أسئلة تستثير أيضا المفكر، وتأجج جدلا فكريا..؟ لكن حين يعجز الفكر عن جواب السؤال، أو حين يكون عارفا به ويخجل، يهربه نحو الشعر: (لو كنت أكتب شعرا لقلت: أنا اثنان في واحد / كجناحي سنونوة / ان تأخر فصل الربيع / اكتفيت بنقل البشارة). حتي حين تختزل الأرض في حنين للأمس، كبلسم مرحلي لجرح الغياب، حنين لرائحة التراب، لثخت الأم ودرب الحليب، لسطح البيت وياسمين الحديقة... يصير الجواب من اختصاص الشعر، كتلطيف مناسب لمرارة الحقيقة. حنين الفكر للغد، والحنين الأمس أناقة للشعراء وحدهم. عصب القصيدة في العمق، تحاور بين الفكر والابداع حول قضية تخص الاثنان، تجمعهما واقعيا وتفرقهما حلما...للشاعر حق الامتداد نحو الأفق: (القصيدة قد تستضيف الخسارة / خيطا من الضوء يلمع في قلب غيتارة) حيث يعجز الفكر عن التحليق أبعد من حقيقة يلمسها بيديه (لا مكان لحلمين في مخدع واحد..).

 حتي العودة للخلف، كترياق ضد الموت والنسيان تصبح مسيجة بواقع مأساوي يتجاوزه الشعر بمجازاته، ويلمسه الفكر بأدوات تشريحية جارحة: (هيأت نفسي لأتمدد في تخت أمي../. لكن ضبع الحقيقة أبعدني عن حنين تلفت كاللص خلفي.) هل أصبح الفكر (ادوارد) أكثر ايمانا بالشعر، في عالم اختلت توازناته، وزمن فقد ذاكرته، عالم ترسم خرائطه بالدم، وترفع سمواته بالحديد، لا مأمن لأطفاله، لعصافيره، لأشجاره، موتاه أحياء يتسللون كالنجوم ليلا ليضيئوا فجر الحياة ولم يقطفوا من مباهج الأرض غير وعد من السماء..... يصير البيت أبعد، الطريق أطول، والحلم أضيق، في مثل هذا الزمن ، تتحرر القصيدة من تاريخها لتسكن الرمز ولتصبح درعا واقيا لشجر ترتديه الطيور، صفة للرياح، صرخة لاثبات الحياة أو ـ علي الأقل ـ امكانية وجودية، أملا للكلام، أو حتي سرابا يطيل الرجاء. حرية لمن لا حرية له، أبدية لمن يختصره الموت، ملكية تسود الكلام، مجازات تبني المنازل بالغيوم. أكاد أتخيل ابتسامة الخيبة علي وجه المغني: (لكن أعمار الغيوم قصيرة في الريح/كالأبد المؤقت في القصائد/لا يزول ولا يدوم....).

(غن فان الجمالي حرية...)
فهل كان ادوارد يملك ضفة أخري للكلام: مجازات خامدة في الظل.أججت اقتناعه بالقصيدة كسلاح يدافع به عن أحقيته في الوجود، كبراح آني مقابل أفق شبه مغلق... (كان المجاز ينام علي ضفة النهر/ لولا التلوث /لاحتضن الضفة الثانية).

هل كتبت الرواية؟
جملة استفهامية بسيطة. لكن مشارفها تطل علي سوسن الحديقة، مرآة تعكس جانب الظل في حياة ادوارد سعيد. لم تستسلم نساء الحلم لغواية الراوي. فما من رجل سبر غور امرأة من قبل وفك اللغز. وما من امرأة حققت رجلها /الحلم، لاحب يشبه حبا. في هذه اللحظة بالذات، تتفكك القواعد، تنهار الثوابت ويستسلم الفكر... (ضحكت علي عبثي/ ورميت الرواية / في سلة المهملات). هل هو عجز الروائي؟ أم حذر المفكر؟ أم عبثية الفعل؟ أوتحصن السوسن في بهيم الليل..؟

ـ اذا مت قبلك،
أوصيك بالمستحيل.
جملة شعرية جارحة ولذيذة ... تشظيك بيأس قاتل، وتلملمك بايمان قوي بالغد في نفس الآن، الوصية استمرار أمل، والمستحيل عجز التحقق... بين أوصيك ومستحيل مسافة لا يمكن أن يجمع بين حمولتيهما غير محمود درويش. ليس المستحيل نقطة في آخر السطر، ولا آخر صفحة في ملحمة الوطن، بل تحقق علي بعد جيل تحرسه هشاشة الشعر وجبال الجليل..
تلكأ الفجر... كان السرطان أسرع خطي من الزمن... مات ادوارد قبل الولادة بجيل.... سئم النسر قمته وطار عاليا... في وداعه كتب الشعر ألمه، وكتب الألم شعريته... شعرية لها عذوبة قبلة الوداع لكنها بطعم الرحيل.

شاعرة من المغرب