|
|
لقطات مغايرة: التصوير المحلي المبكر في فلسطين 1850 ـ 1948 كيف مارست
الصورة لعبة استشراقية غيبت الفلسطيني وخلقت ارض احلام خالية من
البدائيين

ابراهيم درويش
الصورة لا تكذب، الصور مرايا بذاكرة، الصور تساعدنا علي رؤية
الاشياء، الصورة تقول الحقيقة، العدسة لا تكذب، صورة واحدة تعدل
عن الف كلمة، هذا بعض ما يساق في معرض الحديث عن صدمة الصورة،
باعتبارها منتجات من منتجات الحداثة، علي العالم والانسانية، فهي
اعطت الناس فرصة للعودة للماضي ورؤيته طريا رطبا كما كان، لكن
الصورة مثل غيرها من الوسائط الاعلامية قابلة للقولبة وطيعة علي
الاستخدام والاستغلال كما هو حال التلفزيون والسينما، وقادرة علي
تأكيد صورة مشوهة وسلبية عن الاخر، وتحديد نمطيات بل استبعاد
وتأكيد صور خاصة، عبر التكرار احيانا او عبر التركيز علي مشهدية
خاصة ـ فالتكرار يؤكد السرد ويؤكد الحكاية ـ هكذا قال ادوارد
سعيد، والصورة برغم الدور التثويري الذي قامت به الا انها في
الحالة الفلسطينية، علي الاقل في بدايات انتشار الكاميرا والصور،
وبداية الاهتمام الاستشراقي الغربي بالارض المقدسة فقد استخدمت
كوسيلة للاستبعاد، ونفي الفلسطيني وتأكيد الرواية المسيحية
القيامية ـ اليهودية عن خلو المكان من السكان، فالصور الأولي
التي التقطها رحالة ومصورون يعملون مع البعثات الاثرية، كانت
دائما تعمل علي تحوير الحقيقة والاستعادة التاريخية للمكان
وتشويه حقيقته، فالمصور الذي كان يعي ان هناك سوقا لصوره في
المدن الاوروبية ـ فالملمح الديني واضح في صور المصورين الاجانب
الذين زاد عددهم في القرن التاسع عشر، ويبدو ان ايديولوجية القرن
التاسع عشر بما فيها من هوس استعماري ومحاولة لاستبعاد الاخرين
تظهر بشكل واضح في اعمال المصورين الذين صوروا فلسطين، والغريب
ان الكثير من الصور التي التقطت لفلسطين العثمانية كانت خالية من
السكان، وفي غالب الصور التي التقطت للسكان نلاحظ ان فيها خداعا
بصريا حيث يتكرر المشهد بطرق مختلفة لشارع او شارعين من القدس
التي حظيت بمعظم جهود المصورين.
ويطمح كتاب لقطات مغايرة: التصوير المحلي المبكر لعصام نصار
الصادر عن مؤسسة القطان لتوثيق ثقافة الصورة عن فلسطين وفيها،
محاولا استقراء تاريخ ظهور التصوير الشمسي في فلسطين، وانتشاره
كحرفة، وسلعة تباع للسكان الاصليين والسياح، ويقدم الكتاب مجموعة
من الصور الحية والفائقة الجودة عن فلسطين العثمانية،
والانتدابية، حيث انتشرت صناعة التصوير بشكل كبير.
ان اهمية الصور عن فلسطين في القرن التاسع عشر، وان كانت تحمل في
طياتها رسالة دينية واستبعادية للفلسطيني تكمن في كونها لوحة
تعود الي عصر ما يسمي الديغيروتايب وهي لوحات فريدة لا يمكن
اعادة انتاجها وبعد هذا العصر اصبحت الصور اكثر شيوعا. فقد كانت
صور فلسطين في القرن التاسع عشر موجهة لاهتمام الاوروبي الذي
ينظر اليها كأرض للميعاد والارض المقدسة ولهذا تحولت هذه الصور
الي ايقونات تباع مع بقية الايقونات والتحف المسيحية في المدن
الاوروبية.
ومن هنا حرص معرض فوتوغرافي للصور في لندن الي ترتيب الصور بحسب
موضوعاتها ولهذا برزت القدس الي جانب صور لندن وباريس. لم تكن
الصورة التي تنتج عن فلسطين في هذه المرحلة تعبر عن رؤية محلية
او وطنية اي صورة يلتقطها ابناء فلسطين بل عبرت عن العين التي
التقطتها وبالتالي تعرضت للقولبة والخداع، خاصة في مجال
البورتريهات التي يحضر فيها نفس الوجه ولكن في مكان مختلف،
فالبدوية التي التقطها المصور وثديها عار، قدمت علي انها بدوية
من اريحا وفتاة من بيروت في مرة اخري.
تنقسم الصور عن الارض المقدسة، بحسب المصورين، فمنهم الزائرون
والاجانب المقيمون في المنطقة والمصورون المحليون، ومن هنا
فالمصورون الزائرون مثل لويس دي كليرك، وجيمس غراهام وتانكريد
دوماس كانوا يعملون اما مع بعثات اثرية او يمثلون جمعيات
تبشيرية. وقد حكمت اعمال المصورين الاجانب هؤلاء الفكرة المسبقة
عن فلسطين، ومن هنا جاءت صورهم في موضعتها للصورة، وموضوعها
وطريقة اختيار المشاهد والتعليقات التي رافقتها، لتؤكد النمطية
الاوروبية عن فلسطين باعتبارها ارض الاحلام ولكن بلا بشر. وعليه،
فقد عانت الصورة الاوروبية عن فلسطين من اشكالية التمثيل للسكان
المحليين، الذين لم يحضروا ابدا وان حضروا بدوا بصورة بدائية او
كزخرفة او محاولة لاستعادة الزمن التوراتي لفلسطين، راع مع غنمه،
امرأة ترضع ابنها في استعادة لمريم العذراء وابنها السيد المسيح،
مغارة، نساء فلاحات يمتحن الماء من البئر، صور تؤكد المخيال
الاوروبي عن فلسطين باعتبارها ارض الميعاد واللافت للنظر ان
الصور الاستشراقية، الرسم رسم صورة سحرية عن الشرق العربي، صورة
مليئة بالجمال الحسي والروحي الا في حالة فلسطين، حيث بدا
الفلسطيني بدائيا امام الصورة او مصابا بالجذام او البرص، ومن
هنا اهتم المصور الاوروبي بالمكان اكثر من اهتمامه بالانسان. بل
اعتبر المصور الامريكي ادوار ويلسون الفلسطينيين قرب بحيرة طبرية
منفرين لا تتواءم وجوههم مع طبيعة الارض والمنطقة.
يمنح كتاب نصار لقطات مغايرة فرصة للعودة الي صور فلسطين القديمة
في مداها الاستشراقي وعالمها المحلي، وفيها يكتشف المشاهد،
الزوايا التي تحركت فيها العدسة ومارست الخداع، والطريقة التي
شكل فيها الفلسطيني المحلي تاريخ المرحلة التي عاش فيها. والصور
التي يقدمها الكاتب هنا، من مجموعته الخاصة ومجموعات تعود
لمصورين فلسطينيين، تعيدنا الي اللحظة التاريخية الاولي التي
التقت فيها الصور، ولكن ليست كل الصور. فعملية ايقنة فلسطين خلقت
من الارض مكانا للنظر والحلم، ولكنه بلا حياة، فيما تصور
البورتريهات العثمانية والانتدابية اهتمامات المصور والسكان
والتي نعرفها من خلال الطريقة التي حدقوا فيها للكاميرا، وجلسوا
امامها، والزي الذي لبسوه. وفي مرحلة اخري، خرج المصور من محترفه
(استديو) الي الواقع وبدأ يسجل ويوثق ويرسم ملامح الوطن المتداعي
تحت ضربات الانتداب، وخطر الهجرة الجديدة. وتبدو صور البورتريهات
التي التقطها الفلسطينيون، نسخة طبق الاصل عن الصورة الاوروبية،
حتي تلك التي اخذت في مدن محافظة مثل نابلس،
يقول نصار ان التصوير الاستشراقي الاوروبي كان يحاول امتلاك
فلسطين سياسيا، وضمن هذا الاطار قدمت فلسطين باعتبارها ارثا
الهيا يتوق الاوروبي لامتلاكه تعيش فيه اقليات مسيحية ويهودية
بحاجة للحماية، فيما استبعد الفلسطيني البدائي، ومن هنا فالصور
التي بيعت عن فلسطين في اوروبا وامريكا كانت تقوم بتشكيل هذا
الوعي الذي يقول ان فلسطين هي ارض الاحلام التي تحتاج الي من
يطالب باستردادها روحيا وماديا ، الصورة في بعض الاحيان تحولت
الي اداة في حرب صليبية تعمل علي تجييش المشاعر والدفع باتجاه
التملك الروحي والسياسي للفضاء الفلسطيني.
هناك استثناءات في هذا المجال حيث كان المصورون الذين يحضرون
لفلسطين يقومون بعملية نقل حي ومباشر للمكان للمشاهد الاوروبي
ولهذا كانوا يعملون بناء علي اوامر او طلب من اصحاب الشركات
السياحية ومراكز الابحاث، وفي هذا الاتجاه عبر احد المصورين (جون
كرامب) عن اسفه لعدم التقاط صور لنساء بيت لحم بيضاوات البشرة
نظرا لالتزامه الشديد بشروط المهمة التي اوكلت له. في محاولة
لوضع تأريخ حقيقي لتطور العين البصرية الفلسطينية وتطور حرفة او
صناعة الصورة الفلسطينية يلاحظ غياب الابحاث والادبيات، وكل ما
وثق عن الفترة العثمانية تم بمحاولات فردية من عائلات مصورين او
من خلال البحث الاسرائيلي الذي قام هو الاخر بتجاهل الجهود
الفلسطينية الاولي في تطور صناعة التصوير او محاولة نزع المواطنة
عن رواد التصوير في البلاد، فقد ظهر هؤلاء باعتبارهم غرباء
ومهاجرين أرمن وروس، بل ان أحد رواد التصوير من ذوي الاصول
اليهودية (ماندل دينيس) صار جزءا من تاريخ التصوير علي الرغم من
النبذ الذي تعرض له من المؤسسة الدينية اليهودية، وفي المقابل
فان رواد التصوير الفلسطيني العرب لم يذكروا في الكتابات
الاسرائيلية الحديثة، فيما حاول الباحثون الاسرائيليون اعتبار
مصورين فلسطينيين ارمن اجانب لا علاقة لهم بالمكان.
يري البحث التاريخي في الذاكرة البصرية/ الفوتوغرافية ان المصور
السرياني لويس صابونجي كان اول المصورين في بلاد الشام حيث برز
في خمسينيات القرن التاسع، وقد درب اخوه جورج الذي اصبح من اهم
مصوري تلك الفترة ولا يعرف ان كانت هناك صلة بصابونجي دمشق،
وداوود صابونجي الذي افتتح اول محترف فوتوغرافي في يافا عام
1892، علي انه لا يمكن في محاولة تتبع تطور التصوير الفوتوغرافي
في فلسطين الحديث عن اثر المصورين الاوروبيين، والارمن في
اسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية علي مدن بلاد الشام، الا ان
المؤرخين يعتقدون ان ريادية الفن الفوتوغرافي تعود الي البطريرك
الارمني اساي غارابيديان، حيث اقام متحف ومكتبة البطريركية
الارمنية في القدس، وتعلم عام 1857 حرفة التصوير لغرض ديني وهو
تعريف الامة الارمنية بالمواقع المقدسة عبر الصور .. ويلاحظ ان
البطريرك الارمني تأثر بالمصورين الارمنيين اللذين كانا المصورين
الرسميين في البلاط العثماني في عهد السلطان عبد العزيز. ومن
محترف البطريرك الارمني خرج عدد من المصورين من اهمهم غارابيد
كريكوريان وحزقيال كيفوركيان. واصبح كريكوريان صاحب اول محل
تصوير في القدس عام 1885، وقد اصبح المكان الذي افتتح فيه محترفه
شارع التصوير في القدس حتي عام النكبة. وقد برع صاحب المحترف هذا
بتصوير البورتريهات وكان لديه تنوع واضح في الازياء المحلية التي
كان الزبائن يختارون منها ما يشاؤون. ويعتبر خليل رعد اول مصور
عربي غير ارمني احترف التصوير، وكان شريكا للارمني كريكوريان،
وتزوج من ابنته نجلاء قبل ان يصبح منافسا لعمه بعد ان قرر افتتاح
محله الخاص عام 1890. وقد صور رعد الذي كان صديقا لجمال باشا
السفاح حاكم سورية العسكري، والتقط صورة الشيخ عز الدين القسام،
كما صور المعارك في الحرب العالمية الاولي علي الجبهة المصرية ـ
الفلسطينية، والتقط صورا للمدفعية العثمانية، وقادة الاتراك.
وتحمل صور رعد الذي كان متنوع الانتاج من البورتريهات الي الصور
التقليدية الاستشراقية والعائلية، تعليقات بالانكليزية مما يعني
انها كانت موجهة للرأي العام الغربي. واهتم رعد بتصوير الحياة
اليهودية في فلسطين كجزء من اهتمامه بتوثيق الحياة الاجتماعية
والسياسية في البلاد. ويتذكر ادوارد سعيد المصور المقدسي في خارج
المكان حيث تحدث الناقد الفلسطيني عن المط في ترتيب الصمدة
العائلية، بحيث تتحول مناسبة التصوير الي محنة . انتهت مهنة رعد
بالنكبة حيث وقع محترفه في المنطقة الفاصلة بين الطرفين الشرقي
والغربي للمدينة المقدسة المنطقة الحرام . ومن مصوري هذه الفترة
مصور اسمه حنا توميان، والمعلومات عنه قليلة الا ان وثيقة
اعلانية تشير الي انه كان مصور القصر الملكي الاسباني، واهتم
المصور هذا بالموضوعات المعروفة، والموجهة نحو السياحة.
في الوقت الذي كانت فيه القدس عاصمة التصوير، فقد اشتهرت محترفات
تصوير في يافا حيث كان عيسي الصوابيني الذي افتتح محله في شارع
العجمي، وظل عيسي الذي كان ايضا طبيب اسنان منخرطا بالتصوير حتي
وفاة شقيقه حيث ترك المهنة واخذ يدير عيادة شقيقه، لكن الصوابيني
كان اول من التقط صورا من داخل دير القديسة كاترين في سيناء،
ويعتقد ان نشاط الصوابيني وصل الذروة اثناء الحرب العالمية
الاولي، وتذكر بعض المصادر ان من مصوري هذه الفترة كان محمد صالح
الكيالي، المولود عام 1918، والذي اشتغل ايضا في السينما، وان
صحت المعلومات فيكون الكيالي او مصور مسلم. ويعتبر حنا صافية
المولود عام 1910 من مصوري المرحلة الانتدابية، واهتم بالتوثيق،
وبدأ بالعمل في دائرة التصوير في الامريكان كولوني التي انشئت
عام 1898 وذلك لتلبية الاحتياجات السياحية في الغرب عن فلسطين.
وكان حنا صافية قد وثق صور دير ياسين، وجنازة القائد الفلسطيني
عبد القادر الحسيني، وسقوط الحي اليهودي بيد الثوار العرب في عام
1948، واسري يهود يقودهم الجنود الاردنيون بقيادة عبدالله التل
الذي كان صديقا لصافية. ويذكر ايضا من مصوري القدس ايليا قهوجيان
وهو من جيل صافية، كما كان هناك الاخوان حنانيا، وتتلمذ علي
يديهما علي زعرور، واهتم مثل صافية بتوثيق الحياة الاجتماعية
والسياسية في فلسطين، وتعاون مع وكالات انباء عالمية، ووثق
للمعارك العنيفة في عام 1948 مثل قصف الاقصي، ومرضي في شاحنات،
وصور لاجئين. في مدينة غزة اشتهر عبد الرزاق بدران، الذي جاء من
يافا وحارب مع الثوار والتقط صورهم، وفي نفس المدينة اشتهر ايضا
الارمني هرانت ناكشيان، حيث هاجر الي المدينة بعد سقوط حيفا وعمل
مع وكالة الغوث، ونظم معرضا عام 1962 لتصوير معاناة اللاجئين قبل
ان يعود للقدس، حيث بقي فيها وعمل في تجارة الخردة ومات عام
1991. ان الجهود المحلية الفلسطينية تبدو واضحة وثرية في الفترة
الانتدابية، وقد عكست صورهم ملامح الاهتمام الغربي بالمكان
الفلسطيني حيث استجابوا لها بناء علي نزعة تجارية، كما حاولوا
لفت نظر المشاهد لملامح فيها يجب علينا النظر اليها، هذا اذا
اخذنا رؤية سوزان سونتاج عن الصورة كتمثيل للعالم.
ان الذاكرة البصرية الفلسطينية، بدأت بالتشكل اولا حول المدارس
التبشيرية والبعثات التي حاولت التقاط صور موسمية للمكان
الفلسطيني، ومن ثم ارسالها للجمعيات التبشيرية الامريكية
والغربية من اجل الدعم وجمع المساعدات. ولكن حرفة التصوير بدأت
بالتشكل والصورة اخذت بالتحول الي سلعة تجارية جماهيرية اثناء
الفترة الانتدابية التي شهدت ولادة حركة كبيرة وواسعة في القدس
ويافا، وفيها قدم مصورون مثل خليل رعد، وحنا صافية، الكثير من
الصور التي اصبحت كلاسيكية باعتبارها تصور رجال الثورة
الفلسطينية، والاحتفالات الجماهيرية، كما صورت المعارك التي
خاضها الثوار الفلسطينيون ضد الانكليز، ولكن المصور الفلسطيني في
هذه الفترة اعاد انتاج الصور والنمطيات الغربية عن الفلسطيني،
ولان المصور كان يتواجد في محترفه (الاستديو) فتركيزه كان علي
البورتريهات، حيث كانت محلات المصورين تحتوي علي مختلف الازياء
التي يختارها الزبائن لاتخاذ صور معينة. ولكن ما يميز اعمال
الفلسطينيين او المحليين الاوائل ان الصور التي التقطوها للمكان
كانت تحاول الاستجابة للطلب والعرض، اي تحقيق الربح والاستجابة
لمطالب السياح، ومن هنا وقع المصور في تناقض ظاهري، فهو مواطن
ولكنه يقوم بتقليد النمطية الغربية عنه، وهو امر طبيعي في حالة
السكان المستعمرين (بفتح العين)، حيث تطرق هومي بابا الي هذا
التماهي او التوافق في الرؤية والنظرة بين المستعمر والمستعمر
(الأول بكسر العين)، خاصة في مرحلة ما بعد الاستعمار.
ولكن ما يميز صور الفلسطيني انها لم تكن نتاجا لرؤية دينية، كما
في حالة المصور الاوروبي الذي وان امتنع عن توثيق الفلسطيني،
الانسان، بل القي علي فلسطين كل الرموز التوراتية والانجيلية حيث
اورد الاوروبي اسماء المكان الفلسطيني عبر الرؤية التوراتية
الدينية، فنابلس اصبحت شخيم، والعيزرية صارت بيتاني، وقبة
الصخرة، هي هيكل سليمان وما الي ذلك. الفلسطيني، المصور المحلي،
لم يكن معنيا بهذه الرموز والاهتمامات التبشيرية بقدر ما كان
يطمح في تحقيق الربح، اما الملمح الاخر الذي يطبع حركة التصوير
الفوتوغرافي الفلسطيني، فهي اهتمامها بالحياة الاجتماعية، حيث
تكثر صور العائلة والصور الجماعية الساكنة التي عادة ما تلتقط في
الاستديو، وفي هذه الصور يختار الزبائن الوضع والزي الذي يرغبون
في الظهور به، حيث نلاحظ ان معظم الذين التقطت لهم صور هم من
ابناء العائلات الميسورة. كما ظهر في بدايات القرن العشرين
اهتمام بتصوير الموتي قبل الدفن، في النعوش او التوابيت، وانتشرت
هذه العادة اولا بين العائلات المسيحية، ثم صارت عامة، حيث يتم
التقاط صورة للنعش او الميت والعائلة حوله، ولا يعرف من اين جاء
هذا التقليد الا انه كان معروفا في الولايات المتحدة في القرن
التاسع عشر. ويلاحظ ايضا في الصور التي التقطتها العين المحلية،
بروز النزعة الأبوية في صور العائلة، فالاب مركز العائلة، والآمر
الناهي. وانتشرت في هذه الفترة عادة التقاط صور المجاهدين
والثوار والسياسيين، والتقاط الصور بالبزة العسكرية. ويمكن معرفة
الظروف الاحتلالية لفلسطين من خلال النظر الي الصور بالبزة
العسكرية.
يفهم ان الجندي الذاهب للميدان يحب التقاط صورة له قبل رحيله
لانه لا يعرف ان كان سيعود ام لا، ولكن الظاهرة لم تكن حكرا علي
الجنود بل والعاملين في مجال الشرطة، ويمكن فهم هذا لأن البزة او
الزي العسكري كان يعبر عن السلطة في المجتمع. لم يوثق الفلسطيني
المصور للنكبة نظرا لضياع ادواته، ورحيله، وعليه فالذاكرة
البصرية عن الرحيل الفلسطيني مسجلة بعيون يهودية.
كتاب نصار في صوره وتحليله، يمنح القارئ فرصة لمعرفة شيء عن
التاريخ الثقافي والاجتماعي الفلسطيني، وصور الكتاب وثائق عن
الطريقة التي دخلت فيها الحداثة بيوت الفلسطينيين، وعن عادات
وتقاليد اللباس، والحراك الاجتماعي والسياسي، فمن صور الاستديو،
الي مناظر المدن العامة، والاحتفالات الدينية، عيد الغطاس، امام
كنيسة القيامة، المواسم، موسي والنبي روبين، والمظاهرات، وصور
السياسيين والناس العاديين، كلها تعيد صورة فلسطين التاريخية
للحياة من جديد، صور فلسطين تذكر بقصة للكاتب اليهودي يهوشواع
الغابة التي اقيمت علي قرية فلسطينية مدمرة وكيف تطارد اشباح
القرية من يدخلها، انها قصة تشبه حكاية الأحدب الألماني التي علق
عليها الكاتب الامريكي وولتر بنجامين هذا الرجل الصغير موجود في
البيت ولكن بطريقة مموهة ، والفلسطيني الحاضر باشباحه، قوي
الحضور بصوره، وذكرياته.
عصام نصار
لقطات مغايرة: التصوير المحلي المبكر في فلسطين
1850ـ 1948
مؤسسة عبد المحسن القطان
بيروت لبنان ـ 2005
ناقد من اسرة القدس العربي
|
|
|