www.bustanbooks.com

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عزمي بشارة روائيا: إضافة جادة الي الرواية الفلسطينية وتعويض لفقرها في فلسطين الـ 48

 

   عزمي بشارة من فلسطينيي الـ48، أكاديمي، رجل سياسة مشارك عن حزبه في (الكنيست)، باحث ومفكر، كاتب سياسي في أحوال الفلسطينيين داخلاً، وخارجاً.
لمع اسمه في السنوات الأخيرة، فهو بات أحد (نجوم) الفضائيّات، ومتلقي الاتهامات من الجهات الأمنيّة والقضائيّة في (دولة الحاجز) أي دولة الكيان الصهيوني.
أهم كتبه الفكرية نشرت عن مركز دراسات الوحدة العربيّة في بيروت: الانتفاضة والمجتمع (الإسرائيلي) تحليل في خضّم الأحداث، المجتمع المدني دراسة نقديّة، العرب في (إسرائيل) رؤية من الداخل...

في شباط (فبراير) عام 2004 فاجأ عزمي بشارة متابعيه برواية حملت عنوان (الحاجز)، صدرت عن دار الريّس.
لم يكتف عزمي بشارة بالتدريس الجامعي، والكتابات الفكريّة والبحثيّة، وخوض غمار المعارك السياسيّة حزبيّةً وفرديّة، والمحاضرات في أقطار عربيّة وأوروبيّة، والسفر والتجوال في بلاد العرب التي كانت محرّمة علي فلسطينيي الـ48، مشاركاً في ندوات ولقاءات وحوارات وسجالات ساخنة، مثيرة للجدل والمزيد من التهم والملاحقات.
في الداخل ثمّة خلافات حول طروحاته مع اتجاهات سياسيّة، مع الشيوعيين، والإسلاميين، وإخوتنا القوميين الناصريين، وهذه الخلافات لا أخوض فيها، وأدعها لأهلها، فدورنا نحن فلسطينيي المنافي أن نقرّب لا أن نفرّق ونعمّق الخلافات والتباينات، حتي وإن كنّا علي مقربة من هذا الطرح أو ذاك.
روائيّاً اختار عزمي بشارة أن يكتب عن وطن تمزّقه الحواجز التي استشرت بعد (أوسلو)، في زمن وصفه المبشرون بوعوده بأنه زمن (سلام الشجعان)!
الحاجز متناسخ، متكرّر، يمزّق جغرافية (الضفّة الغربيّة) وقطاع غزّة، والحياة الاجتماعية الفلسطينيّة، ويحدث آلاماً ومصائب لأسر فلسطينيّة كثيرة. الحاجز يشتت، يختطف، يعتقل، يهين، يمتهن كرامات الفلسطينيين، يستمتع بعذاباتهم وبهدلتهم. الحاجز هو فضيحة احتلال و(جيش) احتلال سادي عنصري آثم دائماً، لا تردعه مناشدات، أو تظاهرات تضامنيّة، أو فضائح الكاميرات التي تنقل للعالم انحطاط ممارسات الحاجز وأخلاقيات الحاجزيين.
عزمي بشارة الفلسطيني الموجوع بهموم شعبه، وهو يتنقّل من (الناصرة) إلي (رام الله) و(القدس) و(نابلس) و(بيت لحم) و(الخليل)، وقطاع غزّة، هالته عذابات شعبه في زمن السلام، فالحواجز تمزّق الأسر، والقلوب، وهي تراجيديا وكوميديا، فكتب روايته (الحاجز)، ولم تكن صدفة أن الفصل الأوّل من الرواية حمل العنوان (وجد في بلاد الحواجز)، مّما يذكّرنا بتلك الرواية العجيبة (أليس في بلاد العجائب)، وعجائب فلسطين هي أعاجيب الاحتلال، والسلام الكاذب أسوة بالحبل الكاذب.
في الرواية ننتقل من حكاية إلي حكاية، وهي حكايات تدور حول نفسها، تتداخل، تلتف، تتشابك ـ تماماً كالحواجز ـ وعليك أنت القارئ أن تعيد (تجميعها) وتركيبها لتري الواقع بتمام قبحه، وبكل تفاصيله.
الروائي عزمي بشارة يقدّم (الأجزاء) منثورة بين دفتي الكتاب، مختلفة الحجوم والتفاصيل والشخصيات ومزق الأمكنة، قطعاً كلعبة (الجيغزو)، وأنت من عليه أن يعيد تركيب القطع ويشيد البناء من جديد ليكتشف المزيد عن هول الحال الفلسطيني في زمن الحواجز، وصنيع (دولة الحواجز) التي لا حدود لها، ولا لجرائمها، ولا لاإنسانيتها!
رواية التشظّي (الحاجز) تسخر من (مدبّر حالو)، ومن طريق (طورا بورا) الالتفافي، وهو لمن لا يعرف طريق يتجنب المضطرون لسلوكه بسبب الحاجز إلي تحمّل وعورته، ووحوله شتاءً، وغباره صيفاً، عبر الكسّارات. طريق طورا بورا يأخذ من الفلسطيني الوقت والجهد ليعود به بعد كل العناء العبثي إلي ما بعد الحاجز بأمتار، بأمتار فقط، تحت نظرات جنود غلاظ القلوب، ساخرين مستمتعين بآلام الفلسطينيين !.
في مشاهد مثل كوميديا (الفارس) المرتجلة نتابع شعبطة (أم وجد) المرأة الفلسطينيّة المكافحة، وهي تبذل جهوداً لتفادي الحاجز لعلاج ابنتها وإنقاذها من المرض...
علي الحاجز يقف جنود احتلاليون فلاشا من (أثيوبيا)، فيتساءل السارد وهو يري بعض العرب مّمن يخدمون (دولة الحاجز)، من أولئك الذين يتطوعون باختيارهم في جيش وأجهزة أمن (دولة الحاجز)، والقارئ لا يجب أن يدهشه أو يصدمه هذا الأمر ففي كل شعب يوجد ساقطون، مصلحيون، منبتّون:
ـ هل علي أن أعجب بضابط عربي علي الحاجز يوجّه الأوامر لجنود يهود؟!
ويضيف لافتاً انتباه القارئ إلي نوع آخر من خدم الاحتلال و(دولة الحاجز):
ـ هناك من يخدمون (حواجز) مخفيّة لا تراها، ولكنهم يخدمونها...
لا تدور وقائع رواية (الحاجز) في الضفّة الغربيّة الفلسطينيّة، فهي في بعض فصولها تنتقل إلي العمق الفلسطيني المحتل منذ عام 48، فالأرض الممزقّة بالخط الأخضر والحواجز واحدة،وهموم أهلها واحدة، وقضيتهم واحدة، وآلامهم وآمالهم واحدة.
عند الحاجز يلتقي فلسطينيون منهكون من السير علي التلال والطرق، وهنا يدخل الكاتب في نفوسهم، يحلل ردود فعلهم، ما يعتمل في دواخلهم، ينقل للقارئ الغيظ الذي يكظمونه وهو يغلي حتي يفيض علي وجوههم، وحتي في كلامهم الذي يبدو موارباً، مجسّداً كوميديا ما يحدث، ولا عجب أن يتردد السؤال:
ـ وين كنّا ووين صرنا؟!
بسخرية المغتاظ من جنود الاحتلال يسلّط الضوء علي تفتيل جنود الحواجز لعضلاتهم، للستربتيز العضلاتي الاستعراضي المنتشي بتعذيب الفلسطيني المغتاظ من هذه المعادلة غير العادلة، وحين يفتقد الإنسان القدرة علي معاقبة من يعتدي عليه فإنه يلوذ بالصبر والسخرية من النفس ومن العدو ومن الحياة.
رواية الحاجز لا تلخّص لأنها مكتظّة بالتفاصيل، والوقائع، والشخصيات، وفي كثير من فصولها لا يكون سوي التأمّل في تأثير الحاجز وجنود الحاجز علي حياة الفلسطينيين أفراداً وجماعات.
رواية (الحاجز) ليست مكتوبة عن الفلسطيني، إنها مكتوبة له أولاً حيث يقيم داخل الوطن تحت الاحتلال أو في الشتات، لأنه وهو يقرأها سيصرخ بملء الصوت: أكل هذا يحدث لنا، لماذا، وما العمل ؟ هذه الرواية لغير الفلسطيني لا تستدرّ الشفقة، إنها كالمسرح التسجيلي تهدف إلي (التوعية) كمقدّمة للتحرّك والفعل، إنها تحض، تحرّض إن توفّرت عند المتلقّي مشاعر، وضمير نزيه مبرّأ من الانحياز، ضمير إنساني شريف ونقي؟!
فنيّاً الواقع أعطي الروائي شكله: الشظايا كتبت متشظيّةً، بفصول بلغت الـ59 فصلاً، الجزء الأوّل بعنوان (وجد في بلاد الحواجز)، فصله الأوّل عنوانه (المحثوم) وهو الحاجز بالعبريّة، واختتمت بفصل (الشالونات)، بلثغة وجد، وبجمعها لشالون أي شارون...
دولة الحاجز هي في لحظة دولة الأقنعة أثناء حرب الخليج الثانية، الحرب العدوانيّة الأمريكيّة علي العراق في عهد بوش الأب.
العرب في دولة الحاجز، يتسلّمون أقنعة واقية، والكاتب يرينا حالة (المسخرة) التي يؤديها بعض العرب عندما يرتدونها ويخرجون لزيارة أقاربهم في ليل القرية. كبار يتقدمون أطفالهم المقنعين الذين يسيرون وراء الأب الذي يسير كما هو الواقع في المقدمة قبل الزوجة.
الحاجز يكشف، ويفضح طبائع الناس المحجوزين، وردود أفعالهم. لا يكتفي الكاتب بتسليط الضوء علي جنود الاحتلال، وهو ينقل أطراف الحديث بين المجوزين من الحديث عن فوائد الثوم في علاج الضغط ، إلي الباعة الذين يتهافتون علي الحاجز لبيع بضائعهم والتي يرشون ببعضها جنود الحاجز ليغضّوا عنهم النظر ولا يتسببون لهم بالأذي، إلي كوميديا خربطة الحروف في فم الجندي الاحتلالي علي الجسر الذي يقلب الخاء، والقاف، والعين، فلا يعرف المسافرون الفلسطينيون أسماءهم، وهو ما يقلب مزاج الجندي الذي يوقف الطابور، ويؤجّل سفر المسافرين الذين لا يعرفون أسماءهم، التي ينادي عليهم بها بعد تبديل حروفها!
الفلسطيني غالباً (شبح) بالنسبة (لدولة الحاجز)، والشبح كما في (الحاجز) يخاف ويخيف.
في حوار بين الأخ حنا العائد من أمريكا لزيارة أمه وأخوته، والذي يتمتع بالجنسيّة الأمريكيّة، يقول وهو يكتشف أنه رغم تميّزه بالجنسية الأمريكيّة، فإنه علي الحاجز ليس سوي عربي وليس مواطناً أمريكيّاً، ولذا لن (تفزع) له القنصلية الأمريكية لو اعتقلوه :
ـ يعني دولة الحواجز كلها عبارة عن مواطن أمريكي صاحب امتيازات مقارنةً بالمواطن الأمريكي العربي الأصل.. أو يعني هيك شي (ص 190)
نقرأ في الرواية عن الحاجز ما يلي:
بات الحاجز شموليّاً لا يكتفي بأقل من وقت الإنسان كلّه، جهده كلّه، أعصابه كلّها. حتي النهار قد يمضي وقته أمام الحاجز. الزمن ذاته ينتظر في المكان. رام الله أصبحت تبعد يوم سفر مثل كل شيء، يوم السفر يوم، (يوم الطاحونة يوم)، كما قالوا، وقد ينتهي بغبار علي الملابس ولكن من دون طحين (ص15 و16).
قد يقفل الفلسطيني راجعاً بعد يوم من الانتظار علي الحاجز، فلا عمل، ولا علاج في المستشفي، ولا سفر، ولا تمشية أعمال، فقط لأن جنود الحاجز يمضون وقتهم بتعذيب الفلسطيني!
نقرأ عن الإبداع والفّن ما يلي: والإبداع والفّن يصوّر الواقع ليستفيد منه لا ليغيّره. وقد أقلعنا عنه منذ فترة إذ تجاوزه الواقع إبداعاً وصدقاً.
وأنا افرغ من قراءة (الحاجز) وجدتني أتساءل: لماذا لم يكتب الأدباء الفلسطينيون في الضفّة والقطاع رواية (الحاجز) أو ما يشبهها، وكتبها أكاديمي، باحث، سياسي فلسطيني من فلسطين الـ48، لم يعرف عنه من قبل أنه روائي، أو قاص، أو شاعر، أو ناقد، أو صحافي يكتب المقالة يوميّاً، وهؤلاء جميعاً يعانون من (الحاجز) ككّل أبناء وبنات شعبهم من فلسطينيي (بلاد الحواجز)؟!
ووجدتني أستنتج الجواب الذي آمل أن يثير حواراً حول الإبداع والفّن والكتابة من وجهة نظر (المبدعين ) الفلسطينيين: لم يكتبوا مثيل هذا العمل لأنهم يترفّعون عن الواقع الذي تجاوز الفّن والإبداع كما كتب بشارة، بحجّة رفضهم للمباشرة، وسعيهم للخلود بنصوص تدّعي الحداثة، وما بعد الحداثة، نصوص غالباً لا تعني أحداً، ولا يفهمها أحد، ولا تضيف شيئاً، وغيابها لا يشكّل خسارة.
الحاجز رواية مكتوبة عن واقع، شكلها الفنّي أخذه الكاتب من الواقع، ولذا تحرر من الشكل الروائي التقليدي، وقدم شكلاً فنيّاً برؤية يمكن اعتبارها إضافة للرواية الفلسطينية والعربيّة.
الحاجز تشد رغم عدم وجود حبكة تربط فصولها، وهي لا ذروة لأحداثها المفتتة، لا شخصيات تنمو ـ الشخصيّة المحورية السالبة هي الحاجز نفسه ـ ولا مكان ثابتا محددا، وهي متباينة الفصول، ولذا تبدو قابلة للقراءة عشوائيّاً دون تسلسل، وهذا جزء من بنائها المفتوح والبارع والمقصود.

في روايته الثانية (حب في منطقة الظّل) انتقل عزمي بشارة نقلة جديدة، فالحاجز هو بين داخل فلسطين (كلّها) ما احتّل عام 48 وما احتّل عام 67، وخارج شتاتي...
يلتقي عمر بناديا في لندن، وبينهما تنشأ علاقة حب، ويفترقان، فيكون التواصل بينهما بـ(الشاتنغ) عبر الإنترنت، وبالتسمّر أمام شاشة الكمبيوتر.
ناديا فلسطينيّة ولدت في لبنان لأب لاجئ، درست في لندن، تحظي برعاية عمّها وأخوتها بعد موت والدها، غير موظّفة وهي تتنقّل بين أعمال غير ثابتة في لندن.
عمر فلسطيني من منطقة الجليل، أكاديمي، متواضع وعملي، يعرف بشؤون النجارة وأصناف الخشب، قلق، عارف بالمجتمع المحلّي وأمراضه وتعقيدات حياته منذ ضياع فلسطين وتأسيس (دولة الحاجز) .
يقصّ عمر وناديا واحدهما علي الآخر تاريخ أسرتيهما، أفكارهما، تجاربهما المختلفة بين داخل تحت الاحتلال منذ عام 48، وخارج هو التشرّد والغربة والحنين، يغاران، يحردان، يتشوّق واحدهما للآخر، يفتقده، يعاتبه، يماحكه، يجادله بتوتر أحياناً وبود أحياناً...
ناديا وعمر فلسطينيّان من لحم ودم، ليسا فكرتين، ولا وسيلتين ناقلتين لأفكار مجرّدة، إنهما مشاعر، انكسارات، أحلام، وهما مع خصوصيتهما ككائنين بشريين يجسدان مأساة الفلسطينيين داخلاً وخارجاً، إنهما الواحد المقسوم نصفين.
نحن هنا في زمن لا تحل فيه التكنولوجيا مشكلة تواصل الفلسطينيين، ولكننا أمام فضيحة القرن العشرين والحادي والعشرين، حيث يبتر الإنسان عن أرضه، وبيته، وذويه، ويحرم ممن يحب في حين يستقبل الروسي، والأثيوبي، والأمريكي، و..يمنح بيته (لعائد) محتل، أباحت له القوة سرقة وطن وتدمير حياة شعب وشقّه نصفين.
شاب وشّابة أمام شاشتي الكمبيوتر، يحردان علي بعضهما، يغاران، ينرفزان بعد أن صارت تلك الشاشة بيتهما وموئلهما، هي في (بيروت ) أو (لندن )، وهو في (الناصرة )، فمتي يلتقيان ويبنيان أسرةً؟!
هذه الرواية تتمّة لرواية الحاجز ، هي الفصل الثاني من فصول حياة الفلسطيني، وهي قابلة للمسرحة، ليربط بينهما راو، أو جوقة، فنري شاباً وشابة ينتظران لا كما ينتظر جودو، ولكن موقفاً من كل من يشاهد ويسمع، فالغائب هنا هو الضمير الإنساني، والحاضر هو الظلم والعدوان والقسوة.
تتضح شخصية عمر من خلال سرده لتجربة الصحافة الفلسطينيّة بعد تدمير فلسطين أرضاً وشعباً عام 48.
عام 48 انهارت الصحافة الفلسطينيّة التي كانت مزدهرة، وفي مقدمة الصحافة العربيّة بعد مصر، ولم يعد أحد يجرؤ علي توظيف ماله في تأسيس صحافة من جديد بعد أن تحوّل اسم فلسطين، وباتت قوانين الاحتلال تضع سقفاً لكل ما هو عربي فلسطيني.
بعد سنوات تنشأ صحافة تافهة، منافقة، إثاريّة، فيضطر عمر الذي بلا عمل، الغاضب المتمرّد، للعمل في إحداها، ويتعرّض لمواقف يرفضها، منها انتداب الصحيفة له لمرافقة رئيس وزراء (دولة الحاجز)، ومنها مسابقة الجمال المحليّة المهينة للمرأة العربيّة، ولآدمية المرأة ككائن بشري بشكل عام، مما يدفع عمر لكتابة مقالة فضائحية عن (أعضاء) لجنة المسابقة .
نقيض عمر هو عصام المنافق الوصولي، (الاندماجي)، والذي يرقّي إلي منصب رئيس تحرير في حين تخسف مرتبة عمر إلي مجرّد مصحح، ويسجن بتهمة القذف، ومن خلال سرده لتجربة السجن لثلاثة أشهر نتعرّف علي ظروف السجن، والسجناء، وبخاصة الجنائيين الذي يزج به معهم.
شقيقة عمر (وجد ) المحاميّة تسوّي له وضعه وتنقذه من السجن لفترة طويلة، وهي شخصيّة ديناميكيّة، تتعامل مع الواقع كما هو، ولا تخضع له، حاضرة رغم المساحة الصغيرة المعطاة لها في الرواية.
في رواية (الحاجز) التقينا بوجد وعمر، وهما صغيرين، وهنا في رواية (حب في منطقة الظّل) نلتقي بوجد وعمر شابين كبيرين، ولكنهما ليسا هما نفسيهما وإن حملا الاسمين نفسيهما. يبدو أن (بشارة) معجب بهذين الإسمين، وأنهما أثيران علي نفسه.
في الرواية قصص كثيرة عن السجن والسجناء، وهذا ما يدفع دنيا أن تكتب لعمر وهي تسمع هذه القصص:
ـ واو حبيبي، كل قصّة بتصلح لكتاب.. (ص 205).
نعم: كل قصّة تصلح في كتاب، وقصص الفلسطينيين تصلح لأن تكتب في كتب كثيرة، تروي حتي لا تضيع، لتحفظها الأجيال الآتية، لتعرف كم كابد من عاش المصائب والنكبات، والفراق، والموت حنيناً وحباً، المهم أن تكتب، أن تجد من يكتبها بفن وبراعة.
حتي لا تضيع الحكايات، وتنسي، شمّر الباحث والأكاديمي والسياسي عزمي بشارة وكتب وسط اكتظاظ حياته اليوميّة روايتيه.
كيف تنتهي رواية (حب في منطقة الظّل)؟ هل يتزوّج الحبيبان الفلسطينيّان و..توتة توتة خلصت الحدوتة؟
بعد اللقاء الثالث في (لندن)، وقضاء أسبوع معاً، ما عاد عمر ودنيا يتحادثان عبر الكمبيوتر والإنترنت (شاتنغ)، لقد صارت الحياة بدون شاتنغ. صارا يجلسان أمام شاشة الكمبيوتر ولا يتكاتبان (يتشاتتان)، فالواقع يحرمهما من تكوين أسرة فلسطينيّة في مكانهما الطبيعي، في وطنهما، وعمر لا يمكن أن (يهاجر) وينضم لملايين المشردين اللاجئين، وهو لا يرضي بأن يقدّم تنازلات ورشاوي (لجهات) تسهّل له إحضار دنيا ومنحها المواطنة في (دولة الحاجز) .
نصفا الفلسطيني لا يلتقيان بالشاتنغ، أو الحّل الفردي، ولذا تواجه العلاقة مأزقاً لا بدّ من حلّه، والرواية تنفتح هكذا علي السؤال المصيري عن الحل الإنساني العادل.
في الفصول لأخيرة المسرودة جيّداً يغادر عمر مع (عصام) رئيس تحرير الصحيفة العربية، إلي بلد عربي خليجي في مهمة صحافية، وهناك يلتقي عمر بجميلة عشيقة عمه صلاح، والتي استقرّت في ذلك البلد، واحترفت الصحافة وحملت جنسية جديدة.
وفي حين تكون جميلة (الخبيرة) المجرّبة علي السرير مع عمر المتأبّي علي (التواصل معها) ، وتفشل عملية التواصل الجنسي بين جميلة وعمر ليس لأنها أكبر منه بعشرة أعوام، ولأنها عشيقة عمّه صلاح في ما مضي، ولكن لأن عمر متعلّق بدنيا ولا يريد أن (يخونها) .
يفاجأ عمر وهو في البلد العربي الخليجي بنبأ موت عمّه صلاح، نتيجة جريمة مدبّرة غامضة، فيضطر للمغادرة والعودة إلي (دولة الحاجز) . يلتقي بشقيقته (وجد) التي تستقبله في (المطار)، يتوهّم أنه رأي دنيا تستقبله في المطار وأنها أرته نفسها ثمّ اختبأت ، وإذ يستيقظ يسأل عنها، فتخبره وجد أن دنيا أرسلت برقيّة عزاء بالعّم صلاح الذي أقاموا له عزاءً في بيروت.
تنتهي فصول الرواية التي لا تنتهي، بقصصها التي تستحق كل واحدة منها كتاباً، لتتركنا مع الأسئلة الحارقة المؤرّقة.
روايتا عزمي بشارة قدمتاه لنا روائيا جادا أضاف للرواية الفلسطينية، وعوّض فقر الرواية في الـ48، وربّما بعمليه الروائيين الجادين هذين يحرّض آخرين علي استئناف الكتابة، خاصة ممن تميزو بالموهبة ولكنهم تقاعسوا بعد نشر عمل أو عملين بحجج غير مقنعة...
تري ماذا سيكون العمل الروائي الثالث لهذا الكاتب، والمفكّر، ورجل السياسة، الذي ستجد ما تختلف معه حوله، ولكنك بالقطع ستنظر إلي جهوده باحترام يستحقّه؟

_ رواية الحاجز ، يصفها عزمي بشارة بأنها: شظايا رواية، صدرت عام 2004 عن دار الريّس.
_ رواية (حب في منطقة الظّل )، يصفها عزمي بشارة علي الغلاف بخط ناعم تحت العنوان الرئيسي بأنها: رواية شظايا مكان.. صدرت عام 2005 عن منشورات (ميتافورا) حيفا.