|
|
أسئلة الأصالة
والحداثة في المشروع السردي لصلاح الدين بوجاه
|
|
عندما تكون القيروان
إطارا
مكانيا لمسيرة روائية:
تونس ـ من عمار عوني: بالرغم من تشعب البناء السردي للرواية
الحديثة واتجاه مكوناته وآلياته التقنية نحو الضمور والتلاشي
داخل الرواية ذاتها فان المكان بما هو إطار لاحتضان مسار
السردية وتحرك الشخصيات يبقي مكونا أساسيا لأي عمل سردي ولا
يمكن للروائي أن يتجاهله أو يلغي حضوره داخل النص السردي.
بهذا الفهم يمكننا قراءة مجمل الأعمال الروائية للكاتب
والجامعي التونسي صلاح الدين بوجاه والتي صدرت بين سنوات
1982 و2005 وطبعت في تونس والقاهرة ودمشق لاسيما روايتي
النخاس الصادرة سنة 2000 ورواية سبع صبايا قبل عدة أشهر.
فالإطار المكاني لهذه الكتابات السردية مدينة القيروان
التونسية وهي مدينة عريقة حضاريا وثقافيا، ارتبط اسمها
بالفتوحات الإسلامية لشمال إفريقيا والعبور إلى الأندلس، تقع
في قلب الوسط التونسي بين المنبسطات المفتوحة، تحيطها السهول
الخصبة والحقول من جهتي الجنوب والشرق، وتلفها السباخ
المالحة من جهة الشمال، وفي كل ذلك تحيطها السباسب والأودية
من الجهات الأربع.
وقد ظل هذا المناخ الطبيعي محتفظا بجاذبيته وأسراره إلى
اليوم يمنح المدينة العتيقة التي تنتصب داخلها عشرات المساجد
والأضرحة والزوايا والأزقة القديمة التي ما فتئت تسع...
المدينة العصرية بفضاءاتها وبناياتها الحديثة حولها وباتجاه
السهول القريبة وهو ما يضفي عليها طابعا معيشيا واجتماعيا
خاصا يمزج بين الحياة المدنية المعقدة وبين الحياة الريفية
البسيطة السهلة.
ان القارئ للأعمال الروائية والقصصية التي أنتجها بوجاه يقف
علي أنه قد راوح في بناء نصوصها بين اطاري المدينة والريف
لكن تظل القيروان بوجهيها القديم (التراثي والعصري)
والحديث... هي المكان الذي تراوح داخله ذات الراوي /الكاتب
منشدة إلي ضراوة الأسئلة الحارقة الموزعة بين ثنائيتي
الأصالة والحداثة، وتكون الأحداث السردية لكل تلك الأعمال
الروائية وتجلياتها الظاهرة والخفية مسارات متنوعة ومختلفة
لكنها مسيجة بذات الإشكاليات الاجتماعية والحضارية المؤرقة.
من هنا تبدو لنا الإنتاجيات السردية لهذا الكاتب عبارة عن
مشاريع إبداعية تلتقي وتتقاطع علي أكثر من مستوي، وبالأخص
الحضور المكثف لصورة الريف الذي أتقن الراوي تصويره ووسم
تفاصيله الطبيعية في إ طار فريد: ..لن أنسي ذلك المطر، كان
غزيرا، ثقيلا، أرواحا تائهة كثيرة تجوب الوادي والضيعة
وسواني الزيتون الضليلة. ساعات الخطر تزداد عتمة السماء
والأرض، لكن نورا خافتا من حيث لا يدري أحد، نور يضيء أعماق
الناس والكائنات وصخر الهضبة القريبة التي النهر من الغرب..
فالريف الذي يلف القيروان من كل جانب ليس مجرد إطار طبيعي
صرف إنما هو فضاء واسع مفتوح علي الكون وعالم مدهش مليء
بالحياة والنشاط والأسرار بل، لعلنا نراه خلال الأعمال
الروائية التي بين أيدينا منبع تمدن الإنسان وانطلاقته نحو
الحضارة والاجتماع المعقلن وهو في كل ذلك يظل رمزا لأصالة
الكائن البشري وانتمائه، حيث أغلب الأبطال الروائيين مشدودين
إليه بحنين خاص وينتهي بعضهم إلى العودة إليه بحنين خاص
وينتهي بعضهم إلى العودة إليه في النهاية هروبا من تعقيدات
المدينة واحتماء بصفائه من مفارقات الحضارة الحديثة
وملابساتها القاتلة.
إذا نظرنا في المتن السردي لرواية سبع صبايا وفقا لهذه
المقارنة فإننا نجد البطل الرئيسي الشيخ راجح شخصية مندمجة
في فضاء الحياة الريفية منسجمة في أبعاد الترحال بين السهول
والبوادي، وقد مكنته مهنته كبائع متجول من فهم أسرار الكون
وتحصيل خبرة واسعة بالحياة والناس والكائنات : ...فجراره قد
كانت حبلي بأخبار الغابرين في الزمن الأول، عتاه، شداد
يهتكون الستر ويثيرون ليل القرى الآمنة.. خير كثير مواسم
الهجرة نحو الشمال التونسي بقمحها وشعيرها وروث أحمرتها
وهسهسة حليها وغدر نسائها ولذة الوقوع، أسراب صاخبة وقطعان،
ثغاء كلها وغناء وأشتات عشق ضائع وخوف وحزن.. .
وهو خلال هذه التجربة الطويلة يبدو قانعا راضيا يري في عالم
الريف منتهي تحقق الذات واكتمال الوجود لأن الحقيقة
الإنسانية لا تتبلور في جوهرها إلا عبر الطبيعة الأولي،
وكذلك حقيقة الكائنات الأخرى بما فيها الكلاب والأشجار
والطيور: ... هطل الماء وقتا طويلا دون انقطاع! من لا يعرف
رائحة التراب لحظة الخصب، لا يعرف فوح ريفنا ساعة النشوة
...الكائن المفرد يدرك أسرار الكون بكيفيته خاصة، يفهم أن
الطبيعة تحتفي به، تغسله كذلك زرنيخ (الجرو) لا يني، يتحرك
جيئة وذهابا بين البيت الأبيض في المنخفض الكبير وسانية
الزيتون... هذا فرحه، هذا فرح الطبيعة به حين يغسله المطر
الوافد الغزير، يشعر بأنه لا يختلف عن الحصى في أعماق
الوادي، وعن شجيرات الشيح والسكوم والزعتر، لا يختلف عن
الإنسان وأعواد الهاتف وأسلاكه.. تحت سماء ظليلة ينبعث منها
نور واسع جميل.
وكانت صورة الريف القيرواني المفتوح علي تخوم السهول ونداءات
الأودية والأطياف البعيدة حاضرة في رواية النخاس من قبل، إذ
يقف القارئ علي بعض الوقائع من سيرة البطل الرئيسي تاج الدين
فرحات وهو كاتب قضي شطرا من حياته يحلم بأن يصبح أديبا كبيرا
فانبري في طريق الكتابة معاشرا للحبر والورق والسهر، لكنه لم
يظفر بشيء فقنع من: حياته بما تتيح وكم هي ضيقة جافة باهتة،
واصطنع لنفسه بها من الرضي هينة صغري واتخذ غايات ممكنة
قريبة القطاف، فمضت به حياته رخاء ساذجة، معتادة كمن يجدف
لدي السطح وهو من رواد الحلم وركب الصعب ونشد المطلق.
وكان ذلك في إطار الحياة البسيطة التي يكابدها في عالم
الريف، لكن حدث ما بعث فيه الأمل حينما ورد عليه هاتف يعلمه
بأنه مدعو لزيارة إيطاليا ببادرة من هيئة جائزة مينالدو ،
وحينما علم فيما بعد أن الأمر مجرد دعوة لحضور حفل عرض
الأعمال الأدبية المرشحة، عاد إليه الضيق والهم وظل خلالها
مسترجعا لذكرياته، مشتتا بين الماضي التائه وبين الحاضر
المبهر: .. يذكر دوما أشياء قديمة كثيرة، تسكنه حكايات لا
أول لها ولا آخر تقض مضجعه، تدفعه إلى الإمساك بالذوات
الكثيرة ..وتوقه إلى البعيد الجديد والغائب القديم المبهج..
قرب بيتهم الريفي القديم كان يري قوافل الروم تملأ الأفق وفي
أعماق الأرض بقايا جنونهم وسخاء خيالهم الرهيب... وفي خزائن
الكتب الصفراء التي وشي الوالد أغلفتها المذهبة بالسكون
والصمت والصبر والحكمة لمح العرب تمتد قوافلهم حتى بلاد
الثلوج.. ووثبة الأمويين إلى الفردوس الذي سيفقد فيما بعد.
أن القارئ للأعمال الروائية التي أنتجها صلاح الدين بوجاه
وبالرغم من تداخل الأنماط السردية (..الواقع، السيرة الذاتية،
الأسطورة، الملحمة...). المحتضنة لأبنيتها، فإنه يقف بلا شك
عند بعض الإشكاليات المؤرقة وبالأخص منها علاقة الأصالة
بالحداثة.
فالناظر في المضامين المطروحة في هذا السياق السردي تدهمه
إشكالية العلاقة بين الأصالة والحداثة، وهي مسألة
فكرية/حضارية مؤرقة للراوي (الكاتب) المثقف في مهب التحولات
العالمية العاصفة: ...هذا الكاتب النخاس حلزون تائه زاحف في
دنيا الناس كاشف للخطايا شارح للصدور، كاسر زجاج الواجهات
الهشة، حلزون يحمل قوقعة عذابه فوق ظهره، يبلغ بلاد الغرب ثم
يتيه في صحاري الجنوب، ويصعد قدما نحو الشرق أو الشمال..
لكنها به لصيقة، ككل لا يزيحه عن ظهره غير المزيد من السعي
والبحث والتنقيب .
وإذا كان طرح إشكالية العلاقة بين الأصالة والحداثة يبدو
طرحا ضمنيا، يتلاشي في ثنايا وصف حركة الشخصيات الروائية أو
في المواقف الضمنية التي ترد علي لسان بعض الأبطال فإن
الراوي/الكاتب لا يعبر عن موقف واضح وصريح من هذه المشكلة
المعقدة إنما يعمد إلى إثارة بعض المسائل والقضايا الثانوية
وهي من بين مظاهر وتجليات تلك الإشكالية وذلك في سياق مثقل
بالقلق والحيرة.
فالقارئ لرواية سبع صبايا مثلا يقف علي نماذج من تجليات
الحداثة وحقائقها من ذلك حقيقة الاختلاف /التعدد بين الأفراد
والمجتمعات: ..للكائنات حكمتها، أنظر اختلاف حبات الرمل..
وزخات مطر آخر أيام الخريف، إلى جانب بعض التجليات
الأخرى التي منها معني الوجود في إطار ثنائية اللذة والألم
وما يوافقها من ملابسات تحقق الذات وحيرتها في عالم يندفع
نحو المجهول: ..فرادي نرد علي ولائم الأرض، فرادي نمضي نلملم
جرحا يتأبي علي البرء...الكائنات كلها تصرخ من الألم وتعوي
من المتعة، فاطمة وراجح والأطفال والنهر..حتى الجرار القديم،
حتى ركام الحديد والمعدن الملقي خلف أشجار البيت الكئيب.
وهكذا أفلا تكون الرواية ورغم تنوع مستنداتها السردية في لب
أبعادها إثارة لأسئلة الحاضر وانعطافا علي هموم المجتمع
الحارقة في ظل التحولات الحضارية وما تطرحه من ملابسات معقدة
حول مدي تعايش ثنائيتي الأصالة والحداثة: ...ما أبدع الدنيا
بين عصرين، وقت ذهب مع الفرنسيين الذين ملئوا الأرض بصخبهم،
بخيرهم وشرهم .. وهؤلاء القادمون من أهلنا بصخبهم الجديد،
بأحلامهم وادعاءاتهم.
كاتب وصحافي من تونس |
|
|
|