|
|
|
الرأس العربي ينبغي قطعه ثقافيا
|
|
|
عبدالله حرمة الله
الرأس العربي ينبغي قطعه ثقافيا
أدونيس 1992، جريدة البيانو الموريتانية
لنا الاسرة ملأي بالرياحين خفيفة، ولنا ارخي
الدواوين
كأنها القبر عمقا، ثم نحن لنا فوق الرفوف غربيات
الأفاقين
تزهو لنا وحدنا، تزهو علي افق أبهي، وتكسر من خمر
التلاحين .
موت العشاق، لبودلير
حلمت طويلا بمقابلة المثقفين العرب الأحياء، خصوصا
بعد ان ذرفت بعض دمعي علي ذلك الفحل نزار قباني.
شتمني أبي، الذي لم يفهم، كيف ناح ابنه البكر علي من
خنق التفعيلة، وشتم الآباء والأجداد، أمي كانت أكثر
رحمة، لأنها علمت لأي حد احب الشعر! معي قرأت
المتنبي، وادعت الاستماع لبودلير، رغم ان صوت العرب
كان يرتب أيامها المنســـــية بـ عين فرية ، فقد
عشـــــقت عبد الناصر دون أبسط غيرة من أبي، الذي
احتجزته فصول لســــــان العرب ! هكذا كنا: أب يدرس
الأدب، وأم تحفظ الشعر، في انتظار، تنقيح محتمل، لمن
ابقاها في البيت علها تصنع ، من افلاذ كبده، اطباء
ومهندسين.
لكن عجلة السرد، طفحت، فما رحمت: أبي، حلم بمحام من
صلبه، وأمي بمثقف تعرفه الهند والسند! وأنا بالشعر
رغم استعصائه؟
للمشارقة بعد ان تأكـــــدوا اني انطق الضـــــاد،
ازف، بشـــــري حياة ذلك السرد المنقطع ، الذي
التهمــــــت منذ اسابيع رغـــــم اليوم الماطر
بلندن والقدر الهندي لعرب المنفي كلما اعطت نافورة
الشعر صخب المحال؟
للمغاربة ايضا اقول: اني سقطت في تبر المحال! حينما
التقطت، احد شعراء الاحلام، معه تذكرت، صفعة في شارع
أبي نواس، هناك، بمهد صباي، كانت الارصفة تبدو
مزينة، بأجساد ما زالت تعف برائحة البداوة العصماء،
اثار الزينة المهترئة تجعل منها دمي سريعة الحركة
عديمة الانوثة رغم الشفقة التي تستنجدها هذه العيون
الفارة من حشرحة ذلك المنتصب في كل مكان، بعد ان
اقلع عن قدرة التبول بدقة في حظيرة الجساد والنخيل!
بجنب هذه التحف النادرة، كان لأسياد الرغيف، حضور
آخر: اشباه رجال اخذت وجوههم من الشمس حرقتها وصدأها
النتن ينعشون بانتظام رهيب قرصنة دخول الاجساد
المائعة، وعرض الافيون علي افئدة استبقت السبيل
العادي لوعي عادي بحقيقة الرحم التي اعدت لهم
اديولوجية المشوي والمزايدات المفرطة! في هذه
الحضانة الضابطة لغثيان مجتمع فتحت عيونه لاول مرة
علي المرسيدس تجوب بكل خيلاء احياء هجرتها المداجن،
منذ ان بدأت هجرة الرغيف نحو العاصمة! الخضرة كانت
غائبة، ربما لندرة المياه في بلد المليون بئر،
المارة كذلك لانعدام شغفهم بهرولة نحو الحضيض! ففي
هذا الحيز الذي كان يوما وجوديا، حلت الخردوات محل
كل الطموحات المعرفية! تذكرت هذا الفصل عندما سألني
المثقف ـ المؤسسة عن آخر دخل الأدب من باب جنس
لاهوية له ولا مرجعية محاضري اضاف، لقد احدث ثورة في
الأدب الموريتاني! أليس كذلك؟ بغضب صبياني ـ ربما ـ
اجبت، كفاكم احتقارا لهذا البلد، فصديقكم او عاشقكم
قد وفق في يوم من الايام في كتابة مقالات خلت من
الاخطاء الاملائية لكن منذ ان اكتشف قدسية تنقيح
خطابات العقيد، اقلع بوعي عن التعاطي مع الأدب! رغم
ان صالونات التبادل العربي ما زالت تقبل خربشاته، كم
هي سخيفة نخبتنا الاخري! تخلق الزمن الضائع من الأدب
بعد ان عجزت عن انتقاء هذا الاخير من الزمن الضائع
او الوقت الضائع ان شئتم!
وهكذا غادر رأسنا او رأسكم العالمإو غاضبا من تطاول
مراهق نسي ربطة عنقه معلقة في كنيف جدته!
هذا الاختبار العصبي، حدث بعد لقاء يستحق التدوين،
لقاء اعاد الاساطير، بعدما نصب الخيام، واطلق
الدفوف، في عالم يمارس تبجيل الجنائز، والاجترار
بنهم لحضارة الامبوركير والكوكا كولا، بجهاز عصبي
اقر سادية التقيوء الداخلي كمرجعية جمالية للحياة
العادية! لقائي كان شيقا حارا كمسح أمي علي جبيني
الطائش حميما كنظرات اميرتي الهاربة من عصر تقطيع
نهود النساء مع اني لم اراه من قبل مخيلتي كانت
مبعثرة بين ريشته الدسمة وصوته الدافئ لحظات وكأنا
رفضنا معا لذات السمك بصنعاء والخمر البارد بعمان
والاعتبار القرف بالجنادرية، اكاد لا اشك لحظة في
انه عبر والدي رأي الحياة، ومع جدتي تعرف علي
الابجدية لاول مرة مع امي بكل تأكيد قرأ البردة واجل
التعليق عليها، تماما كماحدث معي منذ عقود؟ ضحك
كثيرا عندما اخبرته بأن جدتي التي لحقت بالسماء
سألتنا في لحظة وعي بعد اغماء دام ثلاثة ايام كيف
حال صدام بعد عاصفة الصحراء لتقرأ في وجوهنا البقية!
فعلقت: ودعتكم المولان ، انا كذلك ضحكت لاول مرة من
هذا الموقف؟ لمن حلمت ذات يوم بأن العرب قد يستعيدوا
البعث بعد الدحر! بالمقاطعة الخامسة عشرة من باريس
كان لنا مطاف غير بعيد عن السين طفقت مائدة الشام
تطرينا من طيبات الرزق ولبنة الكرمة غير بعيد من
عقولنا الفرحة كطفل فلسطيني بركلته الاولي لجلاده
الغارق في غسق النياشين! عشنا ليلة بأكملها تأريخ
النضال الفلسطيني بمنعطفاته اللبنانية وخموله
التونسي عن اليمن تحدثنا كثيرا وبالاردن مررنا قليلا
وعبر باريس حلت رحالنا بحديث صاخب تارة عن الأدب
واخري عنا عن هواننا ورفعتنا عن اهمالنا او تناسينا
صفعة شارل مارتيل وقرصنة بن لادن عن لوائح الابادة
الملصقة بكل عنفوان في مدرجات ومساجد عالمنا المتسخ
منذ ان فقد القدرة علي التفكير! طال الحديث ليطأ
القدس والصربون ثم الفيافي وعذاري النخيل المهجور
ومأرب المنهار والاندلس المفقود.
في بيتي تواصلت البقية! اذ قضيت ساعات لممارسة احدي
هواياتي بعد القراءة والموسيقي والكتابة اقنعت
الخضروات بعناق اللحم والسمك اشياء اخري حضرت السهرة
مثل تواضع ضيفي الرافض للوحدة فمعه حضرت مراهقة
المدينة الوردية وطائش الثقافة الباريسية تحت انوار
القمر البيروتي الذي اضاء كل السهرة رغم الحر والقلق
وبحضور معتبر للتاريخ ربطت العنق وجفت الحلوق لتشتعل
دافيد اوف، واحدة تلو الاخري بحثا عن الثلج والمرح
عن الرحمة عن..
لكن القمر البيروتي لسهرتنا اضاف العنبر والسحر بذوق
للحياة ارخي علينا ريق عدن بعد برزخ كله سحر اليك
تنحني ضاحية الفم علها تفيك ما تستحقين من كؤوس
واصناف الشعر المرتجل وصحون النثر المحتضر!
كانت جميلة بعيون تشبه القدر وجسد عليه مر يوسف
دونما حذر رقصت كقصيدة المنتجع وغنت كرحيل كل قمر!
هل كل البيروتيات بهذه الحلاوة والفطنة؟ لم تحتج
لاكثر من لحظات لتقع عيناها في ثـــنايا مكتــبتي
علي عناوين كانت لي معها قراءات خاصة!
بسرعة مثيرة كانـــــت تتبادل النـــــــكت
والقيـــــل مع امنيـــــتي. هكذا تجددت متعة السهر
مع زائــــــري اللندني علي اعادة رتيبــــــة لبعض
ما قال مجنون بني عامر في ليلاه بصوت
موريتـــــــاني امتلأ بالبداوة والأنوثة المفقودة
علي نغمة افريقية تناثرت علي شــــظاياها نوتات
اندلسية غير مألوفة لدي الآذان المشرقية الشيء الذي
لم يثن الجسد البيروتي عن رسم قوس قزح من خلال حركات
انيقة واصوات تظمئ لخمر الصبي!
باسم عشيرتي الرافضة لصحوي الماجن، اهديت ضيفي ثوب
النبوءة تحت زغاريد اندلسية انبعثت من كل ناحية
وكأنها ترحب بعودة الابن المفقود لتنطلق اضواء
المصورات بصفة تلقائية كما يحدث عادة علي خشبة مسرح
لا كولين كل ما اكتمل اداء مسرحية لجان جنيه! لينطلق
الاسير العاشق معيدا علي اسماعنا الفطنة معاقرته
للشعر واحلام نضالاته الكبري.. كانت الحكاية جميلة
ومغرية لرعيل كان مغيبا عن منابر ما تبقي من العالم
العربي!؟
الجو كان حارا فأشعلته نيران الذكريات لكن روعة
تساقط حبات العرق علي كلثوم حضر علي غير موعد فأفسد
نبوءات مقدم نشرة الاحوال الجوية! اخجل النبوءات
لتعلن نهاية هذا الحلم العربي المفقود منذ يوم المسك
!
كاتب من موريتانيا يقيم في باريس |
|
|
|
|