www.bustanbooks.com

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دق الطبول : تؤكد لغة البساطي المتقشفة وتفضح أنظمة أبوية متخلفة

 

محمد البساطي يدق طبول الحرية في رواية جديدة
القاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: يواصل الكاتب الروائي محمد البساطي غزارته الروائية برواية جديدة، صدرت حديثا عن سلسلة روايات الهلال تحت عنوان دق الطبول التي تستعيد نوعا من العبث الذي قامت عليه روايته السابقة التي صدرت عن نفس السلسلة في العام الماضي الخالدية ، حيث اعتمدت علي نوع من الفانتــــازيا المجتمعية التي أضافت للرواية الكثير من العمق، إذ تقوم علي فكرة شديدة الطـرافة، وتتصل في أن واحدا من موظفي المالية بوزارة الداخلية يريد أن يستولي علي أموال الوزارة، فيخترع مدينة وهمية ليس لها وجود في الواقع هي الخالدية وهو ما يسوغ له فيما بعد، اختراع قسم شرطة للمدينة شاملا بالطبع المأمور والجنود والأسلحة والســـــيارات والعتاد والمؤن، وكل ذلك يعني أن ثمة رواتب ومكافآت شهرية تصرف من أجل أمن المدينة الوهمية، وتستمر دراما الرواية علي هذا النحو الفانتازي الذي تبشر به أيضا الرواية الأخيرة للبساطي دق الطبول .
فالرواية تنهض علي عدة مفترقات وعناصر تثير العديد من الأسئلة الوجودية، لا سيما وأن عنصر الغربة والاغتراب في الزمان والمكان يقومان بالدور الأساسي المبطن لدراما الحركة السردية.
ينهض العالم الروائي لـ دق الطبول في إحدي الإمارات الخليجية الصغيرة، حيث العمالة الأجنبية ـ عربية وغير عربية - تنهض بكافة الشؤون اليومية، فيما عكس نمط الإنتاج الريعي للإمارة، كمعظم الإمارات الخليجية، أما السرود التي تبدو محايدة ففي طريقها دوما لترسيخ صورة غير متعسفة يعمقها التراكم الزمني داخل الحدث الروائي فيتصاعد المعني ويتضافر في صياغة الموقف الوجودي الإجمالي، السالب علي الأغلب، من كافة الأبطال الفاعلين في الرواية، وكأن ثمة إشارة خفية إلي ان عنصر المكان بثقافته يظل أكثر قدرة علي التعبير عن نفسه عبر هؤلاء الأبطال الضعفاء.
فعبر نماذج مصرية وشبه آسيوية، باكستانية، بنغالية، هندية، تتكون أحشاء قصر الأحداث الروائية، ونرصد مع الروائي نهوض هذه العمالة الوافدة بكل شيء تقريبا، أما أهل الإمارة فلهم فقط هذه الجنة الأفلاطونية التي تخلقها المكنة المادية القادرة علي استعباد البشر والآلات، أي أنها مكنة قادرة علي استقدام التكنولوجيا وتسخيرها عبر هؤلاء الرعاع الذين قدموا من بلدانهم الأشد فقرا طلبا للرزق.
وعبر صور عددية للتفرقة تتبلور النقائض وتتنامي الثنائيات، فهناك الأسود والأبيض، المسلم وغير المسلم، الغني والفقير، المقرب من صاحب القصر والمغضوب عليهم، ثم السيد والخادم، وهذه الأخيرة هي الثنائية الأكثر بروزا في مجتمعات لم تتبلور فيها صيغة أكثر تطوراً لعلاقات العمل المنتظمة التي لا تعتمد علي الأنظمة الأبوية بترسيخها الدائم لمفهوم السيد والعبد.
وربما كان التوقف أمام هذا المفهوم القاهر في العلاقة الإنسانية سببا مباشرا يصلح لقراءة نتيجتين أساسيتين أسفر عنهما النمو الطبيعي لمثل هذه العلاقات عبر النسيج الروائي.
النتيجة الأولي التي تبلورت عبر السرد الروائي هي ظهور علامات العجز الجنسي علي كل العاملين الجانب داخل الإمارة.
فقد اكتشف ذلك البنغالي عجزه الجنسي عندما التقي زوجته سرا ـ رغم انه يعمل بالإمارة ـ بعد أن غادر شعبها إلي حيث مباريات فريقهم الوطني المشارك في كأس العالم في إحدي الدول الأجنبية.
فالرجل الذي كان يتحين الفرصة لرؤية زوجته كان محروما منها بفعـل الشروط القاسية للعقد، حيث كان شرط قبول الزوجة للعمل بإحدي القصور أن تكون غير متزوجة، لذلك فهي لا تستطيع الإعلان عن زيجتها والرجل لا يستطيع تجاوز أسوار القصر الذي تعمل فيه لأن ذلك يعني إنهاء عمل كل منهما.
وعندما حانت فرصة اللقــــاء بعد فراغ الإمارة من اهلها يكتشف الرجل عجزه التام عن معاشرة زوجته ثم يتسرب الخبر إلي عــــوم الأجانب المقيمـــين وبعد أن تتواتر أصداءه نجد أن الجميع يتشارك في الظاهرة وليس من تفسير للأمر.
غير أن الروائي يفاجئنا بقراءة مختلفة عندما ينقلنا إلي احد المقاهي في الحي القديم بالإمارة حيث يقيم معظم الأجانب، وحيث تبدو المناخات المحيطة أكثر إنسانية وشفقة بأهلها. تبدو الصورة في المقهي أكثر عبثية مما يتصوره أي من الحاضرين عن مأساتهم حيث يقف رجل أفريقي أسود وسط حلقة من الحضور وإلي جواره طبق تسقط فيه الأموال المنتظرة لقاء العقد القادم، وبعد ان يشرب الرجل شايه ونرجيلته يقف وسط الحلقة ويندفع قضيبه إلي الأمام كعصا حديدية ثم يعلق فيه جردلا صغيرا من البلاستيك توضع فيه العملات فلا تقع علي الأرض، دليلا علي فحولته وقوة انتصابه، فيصاب كل الحاضرين بالذهول أمام ما حدث لهم.
ويبدو في اللحظة ذاتها أن سؤال الجميع يتمحور حول: لماذا هذا الرجل هو الذي احتفظ برجولته!؟ وهو سؤال نقيض للسؤال الأساسي الذي كان يجب عليهم طرحه وهو: لماذا خذلتنا رجولتنا؟ أو لماذا فقدنا ذكورتنا؟!
وإن تبدي الأمر للوهلة الأولي كأن ثمة فحولة ذكرية يمكن أن ننسبها للسود الذين يشاع عنهم قوتهم الجنسية فهو امر مفهوم في الإطار الذي يحيل إليه الوعي الشعبي، غير أن السؤال الذي يعيدنا إلي الأسباب هو الأحري بالبحث، إذن لماذا فقد رجال حقيقيون رجولتهم؟ هل لأنهم فقدوا حريتهم بينما هم أحرار؟ هل لأنهم تحولوا إلي خدم بينما كانوا سادة؟ فيصبح الجنس رديفاً للرجولة، ورديفا للحرية في الوقت نفسه، ويظل الأفريقي القادر علي الانتصاب والذي يبدو في الوقت نفسه أنه الوحيد المحتفظ برجولته فهو الوحيد الذي لم يفقد شيئا، وكأن ثمة إشارة عكسية تشير إلي عبوديته الأصيلة، وعلي النقيض تماماً يبدو الربط الوثيق بين القدرة علي الاحتفاظ بالذكورة وكأنه اختبار حقيقي لمدي القدرة علي الاحتفاظ بالحرية.
وعلي مسار آخر من الرواية تتجسد وتتكون علاقة أخري ليست بعيدة تماماً عن الجرح العميق الذي تحفره دراما الأحداث.
فداخل قصر الأحداث تقبع المصرية زاهية إلي جوار سيدة الدار خديجة التي لا تنجب ولا يعاشرها زوجها بسبب سمنتها المفرطة التي تمنعها من الحركة.
أما الزوج فهو احد الأثرياء الذي زاد ثراؤه بأموال زوجته الثرية هي أيضا، وتبدو الزوجة في الجزء الأعلي من القصر أبعد ما تكون عن زوجها، هي تأكل فقط وتستحم وتشاهد التليفزيون، وتتسلي بحكايات زاهية أو حكاياتها المكررة والفقيرة لزاهية، والمرأة بطبيعة الحال لا تنجب، وزوجها يملك شقة بعيدة عن القصر يمارس فيها كل شيء مع أخريات وهي تعلم ذلك، لدرجة انها التي دبرت له اول لقاء جنسي مع زاهية، بعد أن أشرفت بنفسها علي شراء قمصان نوم خاصة لها، بل كانت سعيدة بانطلاق هذه العلاقة بين زوجها وبين زاهية.
الأمر بعد ذلك يسفر عن كارثة اخلاقية حيث تكتشف زاهية انها حامل، وتحاول في البداية الخلاص من حملها فتتدخل الزوجة والزوج لمنعها علي ان تنجب ولدا يتم قيده بعد ذلك باسم الزوج والزوجة وتنتهي الرواية والولد ينظر شرا إلي أمه الحقيقية التي لا يعرفها ويظل أسير المربية الإنكليزية، والأم المزيفة خديجة.
وتنتهي زاهية جالسة في وضع حسير في حديقة القصر وخلفها في مصر زوج وابنة يكتفيان بالقروش التي ترسلها الأم من الإمارة.
والتفكيك الذي تقدمه الرواية للعلاقات الاجتماعية في مثل هذه البقعة من العالم يعكس قدرا هائلا من الوعي الذي تؤكده السرود والبني واختيار الأبطال وحركتهم داخل الزمن الروائي، لتظل تتمحور هذه السرود حول تجسيد درجات عالية من التنكيل بالقيمة الإنسانية دون تعسف أو افتعال أو خطابية، حتي أن حيدة الروائي محمد البساطي تكاد أحياناً أن تنتزع من الأحداث قدرا ليس قليلا من طزاجتها لا سيما وأن البساطي يعتمد لغة متقشفة لا تشهد أية ترهلات، علي عادته في رواياته السابقة.
ويبدو مفهوم القيمة هنا مبعثرا ويواجه شتاتا واسعا وكأنه قيمة لا تعدو الإمارة كونها بوتقة له، وهو من هذه الزاوية لا يبدو وكأنه عمل من أعمال السياسة التي تستهدف الإدانة المباشرة، بل يجنح العمل الفني ـ بطبيعة وعيه المركبة ـ إلي إنشاء وتكوين ما يمكن ان نسميه بالأجســام المضادة للتعري والمباشرة، فالمعـــــني الإبداعي أعمق بالتأكيد من المعــــني السياسي، فالأول ينهـــــض علي عناصر يغيب عنها الوعي المباشر بالمــــأزق المجتمعي، لذلك فإن عناصــــــرها تبدو أكثر إدراكا للمأزق الوجودي العميق وليس المجتمعي، بمعناه المبشر، أما الثاني فينهض علي الوعي بالخطاب الجماعي المباشر الذي يجرح المعني ويؤكده أو ينفيه.
فرواية دق الطبول ليست إلا بنية واعية ـ بالمعني العميق ـ للهيكل المجتمعي البطريركي، الذي يلعب فيه الدين والموروث الشمولي والأبوية الأدوار الأساسية، لينقسم المجتمع ليس إلي فئات ومهن وطوائف، ولكن إلي سادة وعبيد، إلي أناس يرون أن عروقهم تسري فيها الدماء الزرقاء الشريفة، لأنهم غالبا ما ينهون نسبهم إلي بطون قريش وأشراف العرب والسلالة النبوية أو ما دونها من السلالات.
ومن نتاج هذا الوعي تتمحور وتتشكل العلاقات والبني الاجتماعية التي لا يمكنها إلا تزكية مثل هذه الفوارق المريعة وغير الإنسانية، المكرسة عبر قرون من الزمان ويظل رهان الفن دائما في مدي قدرته علي اختراق وإعادة اكتشاف هذه البني التسلطية المتخلفة وغير الإنسانية دون
صراخ أو ضجيج.