www.bustanbooks.com

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رواية مسلم لزاهية رحماني:



عبدالله حرمة الله
الفراش لن يؤلمك وحدك، لأن حيوانات أخري تبدو مؤلمة وهي تحيا،
كأنك تصل الي أرض بعيدة، أوتحدق بطريقة ما في أزمنة دموية،
الألم نفسه، يدركك في أماكن ملتبسة، قد يكون ظلا لحياة مبتسرة أو فراشا يؤلم الربيع المتجدد .
(عبدالله كرمون ـ 1999).

صدر مؤخرا للكاتبة الجزائرية، زاهية رحماني، رواية بعنوان مسلم ، وهي الثانية بعد نشر مأساة انتحار والدها العام الماضي.
تدرس بباريس الفنون الجميلة، تتقن عدة لغات أجنبية، مسكونة بماضيها الجزائري، مبعثرة بواقعها الفرنسي، تحكي زهاء الطلاق من الهوية، ولذاذة معانقة الكلمة!
بشاعرية، وحبك أخاذ، تقاسمنا في روايتها الثانية ذكريات الطفولة، سرد الجدات، هزيمة الفرد، والعار الذي لحق بالجماعة هنا بالغرب حيث الفرد ـ المسلم ـ بدا كحام لخيار البربرية، يهدد أمن واستقرار الحضارة بعجوز القارات...

بروتوكول الهوية

بثقافتها الواسعة قدمت مشاهد رقصتها الابداعية بمقطع للشاعر الامريكي الكبير، ملفيل، الرومانسي الأسطورة، مدعما بآخر لخصم لابارتايد الأول، كوتزي.
خيار العنوان (مسلم) بصغة الغائب يأتي تسجيدا لواقع هذا الأخير كغائب عن الحياة الثقافية الغربية، وحاضر ينبغي تحييده عن سبيل الحرية!
اذا المشكل هو كل مسلم وليس المسلم، بلغة أخري ينبغي أن يدفع ثمن تأخره عن قافلة التاريخ: السياسي وحتي الثقافي..
ما يحدث لي لم يكن لأتوقعه أبدا، لقد سبقني قرن الضائعين، هذا، لأتواري فيه. ذهبت ضحية وفاق بين رجال. لقد أصبحت، أو عدت مسلم Musulman.
لم أنج من هذا الجنون، من هذا الالزام، هذا الواقع الجديد وضع حدا لتصوري .
هكذا تبدأ بابراز هزيمة الفرد، المسلم، المفكر في معمعان الصخب الحضاري، والذي تعيشه الكاتبة، باكراه جعل شعرها يتنكر في نمط روائي، يقرأ بلذاذة ويفهم بعنفوان.
في المشهد الاول تبدأ باثارة اشكالية الهوية، كماركة مسجلة، تلغي كل احتمال ميلاد شخصية متميزة عن الأصول البيولوجية أو الاجتماعية، حيث تتبعها ظروف وطبيعة نشأتها الأولي، وكأن انتماءها عاصفة تحجب كل اشراقة جديدة لشمس الحرية: مسلمة من المهد الي اللحد!
لأن الآخر يتصورها كما يحلو له، و ليس كما هي، الشيء الذي يجعلها تعيش الدين وباقي الاجراءات العملية للانتماء كبروتوكول يدحر كل رغبة في التميز.
فالبروتوكول هذا كان ولا يزال موضع لبس بين روحه وواضعيه، فالرجل ينحي دائما الي السيطرة علي الدور الرئيسي في مسارح الأخلاق والمعتقدات، كما هو الحال في بلد الكاتبة.
علي وتر الغضب، تواصل الحديث عن: أصولها الجبلية، عن الأوراس، تستحضر ما تبقي من ضباب نشأتها الأولي، لتخلص الي استحالة التميز ـ رغم القطيعة ـ مكتشفة في نفس الوقت انتماء (قانونيا) جديدا بشحنة ثقافية مختلفة، وحيز جغرافي يحيل دائما الي مهد فقدت كل قدرة علي رسمه بفرشاة الفرد الذي أصبحت!
عن ـ المنفي، الوطن ـ، تتحدث بكلمات الطفلة المهملة التي عاشت الحرمان بعد أن حرمت العيش، بكلمة واحدة منفي زاهية يقرأ أكثر من ما يعاش!
عندما تنتزع الفيلة لسانها!
الفيل يؤرخ فقدان لسانها، هناك، في كهوف جبال الجزائر.
دون حقد يذكر، تثير بتوفيق سيزيفي تجربة الأقليات في العالم العربي: من غياب ثقافي واستبداد سياسي، بسبب الدين، دين العرب!
جمال التجربة هذه يكتمل في استحضار للمدرسة الشعوبية، لكن هذه المرة بلغة موليير، بعد أن استحال السبيل الي لغة يعرب ابن قحطان، لأن لغة أهل الجنة لم تعد تعبأ بجمال المنفي الأول، الحياة.
بخيال كله سحر تسقط مؤامرة أبرهة والفيلة علي واقــــع القبائل الجزائرية، بأحلام فظيعة لا تفتأ تتكرر، لتتابع الفيلة مطاردتها رغم الابتعاد والحذر!
الآنسة رحماني، لا تتورع عن عرض عضلاتها في أرض الرجال، حيث تبدي في تناولها لهذا الاسقاط اتقانا لفن السيرة وفهما محترفا للقرآن.
من ضمن ما لحق بمن كانت طفلة صغيرة ذات يوم، أنها فقدت قدرة الحوار مع والدتها، لأن الفيلة أنستها الكلام، وتحاول بكل جدية أن تعيد الكرة بعد أن وجدت لسانا جديدا علي ضفاف السين!
فلغة الأمس، لغة الأم، كانت أولا وقبل كل شيء، منطوقة، محظورة، عاجزة ومحاصرة.
ما زالت تلاحقها: تحتل غرفتها، تجري خلفها، تعكر صفوها، تقتل نهجها الثقافي.. فتتأمل، لتستحضر ميلاد محمد وليلة الفيل، ثم تتسائل ألم يحبط القرآن كل مكائد الفيل؟ لماذا يواصل جيش الفيلة احكام قبضته علي الجزائر؟
مع ذلك تقر بضعفها أمام هذا الجيش، لقد نجت لأنها: ذهبت، بعيدا، بعيدا، لقد زنت مع المنفي! لكن ذكري أمها، وهي تحكي قصة الفيل مازالت حاضرة وستظل.
لم تتمكن من الفرار، كما فعل أهل مكة في ما مضي، لأنها اكتشفت أن لغتها ليست لغة أهل الجنة لكن الشعر كان، ولايزال بالنسبة لها، معدنا نادرا، يجرد الانسان من كل وحشية قد تفرضها قساوة العيش المحتال!
فلولا الشعر لما كانت جاذبية الوحي وقدرته علي الاقناع، فالحرف سحر، والحروف أشعار، أذكار، وأقدار...
فالنبي، محمد، اليتيم المحاصر أقبل عليه الأتباع، أولا، لرغبة في المعرفة، معرفة الاخرين، لذا كانت فدية الأسراء تقدر بحجم المعرفة الملقنة للأصحاب، حتي في أحضان يهود يثرب، وعيا منه بتأثير المعرفة في مجتمع كان يقدس الحرف، لتتمكن اللغة العربية من تجسيد هذه التجربة، ثم لاحقا لغة الاسلام، فالقرآن يجسد امتلاك البشر للغات، كل اللغات: من خلال النسخ والالغاء، واقرار الرسالات الأخري، لذا فلغة القرآن، لغة أجنبية، حتي علي العرب العاربة.
فالله يفهم كل اللغات، والتي اعتبرها دليلا علي غني يقر الاختلاف!
الاسلام دين لمن يجهل العربية، و حتي القراءة والكتابة، فالاسلامدين نسي، أو تنــاسي النـهاية، حتي يجد كل مكـــانه، خصوصا الغـريب علي العربية، و أيضــــا العربي الغــــريب علي تــــاريخ الديـــانات السماوية، فأي رفض لتدعيــم هذه الرواية يعتبر خروجا علي تعاليم أمر القراءة الأول.
فنشر الاسلام امتد خارج حدود اللغة العربية نفسها، ليتيح الفرصة لأمهات عدة ايصال تفاصيل هذه الرسالة الي أجيال ترعرعت بعيدا عن جزيرة العرب!
لتتغدي كل هذه اللغات من رواية العرب، رواية أتاحت لهم ذات يوم امكانية الحضور في ثقافات أخري.
ان قدسية العربية، بعيدا عن شعاب مكة، ترجع الي شحنة التسامح والاخاء التي بثت ذات يوم في أصقاع المعمورة.
وكل محاولة لاستقصاء هذا البعد تعتبر اقرارا للقرآن كوسيلة استعمار متعالية.
عندما تصبح المساواة مجرد ذكريات!
حياتها الثقافية، بفرنسا لم تمكنها من ارساء قطيعة حقيقية مع ارهاب الفيلة، فقد كانت حاضرة في كل مكان: في المسارح والمكتبات وحتي الأحلام...
وفي قلق هذه المواجهة، تستحضر مرة أخري ذكريات الطفولة، حيث تعلمت مرجعـية الأصول الي آدم وحوي، كلنا سواء، كما تعودت جدتها أن تكرر.
لكن واقعها في جبال الأوراس يحكي شيئا آخر، يحكي رواية الغبن والغياب: يحكي محو اسمها ذات يوم، وتفنيد أصول بها كانت قد تعلقت، لتخلص الي الشك في اسمها الحقيقي، في أصلها، واقعها ثم مستقبلها...
تحكي كاتبتنا كل هذه التفاصيل باسقاط مرجعي عبر هاجر، ابراهيم، محمد، السعي، الأمة المهملة، النبي المنتظر، مكة...
لكن الصدمة تقنعها بأنها ليست بنت محمد ولا حتي اسماعيل، بل هي مجرد فرية ينبغي أن تواصل البحث عن أبيها!
فبرائتها جرحت منذ الولادة، ضفائرها تمرغت في الطين، حلقها ابتلع قيء الاهانة، وعلي صدرها علقت يافطة الغرابة..
لم تعد تدري من تكون: أهي بربرية أم عربية، أم بكل بساطة مسلمة، منفية من وطنها مطاردة في منفاها.
هكذا أصبحت حياتها جحيم بفعل مقايضة الخوف مقابل الأمل الذي أقامه رجال سيطروا بالكذب والاحتقار، والهمجية! والمنفي، يدعم هذه العلاقة العكسية التي لا تفتأ تدحر كل بارقة أمل لدي هذه الروح المبعثرة.
ففي باريس تكتشف واقعا آخر: لقيطة، لا دين لها ولا وطن، انها مجرد عصفورة حزينة فقدت طريق العودة الي عش غادرته مكرهة ليبتعد حلم المساواة، ملتحقا بقاطرة الذكريات المفقودة...
اذا، يمكن أن نعتبر هذه التجربة مطابقة لما يعيش غالبية المهاجرين، نتيجة للعزلة الثقافية التي تفرضها ظروف المنفي، لكن فنانتنا رفضت الرضوخ، مصممة علي ضرورة أخذ دورها في الكلام، لعل سامعا، أو قارئا يأخذ عنها، نصيبا، ولو قل من عبء حملته عقودا علي ظهر تحكي تضاريسه مأساة انسان، يلوم الأهل، ويشتم الأحباب!
عبر هذه التجربة، من حقنا أن نتسائل هل صدقنا مثقفو المهاجر حينما رسموا طيورا تغرد، و أثداء تستفز، وعقولا تتزن؟
فالمنفي ان، صدقنا قراطيسنا قد يتيح لنا مادة ثرية، لأخذ زمام مبادرة ثقافية عطلها واقع يعبث بقدرتنا علي خلق جديد!
وليكن، دعونا نتصور حمارا يشرب في اناء عنتر، و ديكا يغازل عشيقات ابن أبي ربيعة، ودراجة تسابق نخوة المتنبي!
ليأخذ الحصان الكلام من علي المنبر، ويصدح قائلا:
.. قتلني الشرقي سقما
بعد عصر، عاصر بباريس محاصر
بعد رحلة شاقة، توقف المطاف
وفي شارع اللباقة حل الراحل
حل بحانة (الرحالة)
وضع أوراقه، أشعل سيجارة
وطلب ما وعد في الجنة.
لكن الساقي أيقنه بأنه مازال في الدنيا
دنيا شرقية: تقدم الشاي عصرا، والقهوة فجرا
و لا تقدم أبدا ما قد يخالج الشاعرية
باعتذار مجرم، رحلت واّنا أستحضر
أبا نواس، وصفراه
تذكرت كذلك لؤم الساقي، وضيق العار
تذكرت حضارة أروت العالم برحيق الخيار
حتي لجأ لها كل ظامئ علي طريق العار!
قررت أن أشتكي الساقي دون هوار
كتبت لهارون الرشيد
وبعد ما طال انتظاري
التحقت بنزار وعشيقته، لقتل هارون الرشيد
لأعيش ممتلئا بمجد مضي
علي أمل خلق يتجاوز حيز الاحياء
حيز يحرقني دون انتظار
حيز يبعد من حديقتي شبح النار.
كاتب من موريتانيا مقيم بفرنسا