www.bustanbooks.com

 

  

 

 
 
 

 

 

 

 

 

باولو كويللو يرسم صورة الإنسان الحقّ
2/9/2005  


 

في روايته الجديدة "الزّهير":

 

عزمي خميس

لا أدري إن كان باولو كويللو راضيا أو سعيدا بهذا التعريف الذي يعمد ناشروه ونقاده إلى إلصاقه به بنمطية مملة باعتباره (مؤلف الرائعة العالمية الخيميائي)، ذلك أن معظم كتاباته وما يبث فيها من أفكار تسعى وتدعو إلى تحطيم هذه الأطر التي تحيط بالإنسان وتصبّه في قوالب جاهزة ثابتة دائمة، فباول كويللو لا يمكن حشره في الخيميائي فقط.

ثم إن الخيميائي بشكل عام لا يمكن اعتبارها أعظم أعمال كويللو، فهي ليست سوى العمل المميز الذي أطلق اسمه في جميع أنحاء العالم، وربط اسمه بشكل دائم بها يحمل إيحاءً مضللا أنها أعظم أعماله، مع أن روايته الأخيرة التي نحن بصددها (الزّهير) يمكن اعتبارها أنضج أعماله وأكثرها عمقا وثراءً، حيث تبلغ فيها تأملاته في النفس البشرية وخفاياها، وفي الكون وأسراره وغيبياته السارية في كل جزء فيه، ذروتها وشمولها أكثر من أي رواية سابقة لها.

وربما يكون من الضروري القول هنا إن ميزة روايات كويللو تكمن في أنها في أساسها ليست روايات أحداث، أو شخصيات، بل هي ما يمكن أن نسميه (روايات تأملية)، فهو يمسك في روايته بخيط واحد يمدّه على طول الرواية واضعاً في بدايته سؤالا أو لغزا، أو كميناً مشوقاً، ثم يمضي على طول هذا الخيط في رحلة من التأملات العميقة يوردها على ألسنة الشخصيات، أو على لسان بطله على شكل مونولوج، أو ما شابه، ويتجلى هذا الأسلوب أكثر ما يتجلى في هذه الرواية.

كما أن (الرحلة) بمعناها الجغرافي أو المكاني تعدّ واحدة من استراتيجيات رواياته، وتعدّ الخط الظاهري لرحلته الحقيقية الباطنية الغيبية الروحية، في خفايا النفس، والظواهر، كي يكشف عن تلك القوى الخفية التي تمور خلف القشرة الظاهرية للإنسان والأحداث، والتي دون فهمها والإنسجام معها، والتناغم مع ايقاعها لا يكون للحياة أي معنى، ولا يكون للأحداث أي تفسير أو تعليل، كما يودّ أن يقول.

فقد فعل ذلك في (الخيميائي) ورحلته إلى مصر، وفعل ذلك في (الجبل الخامس) في رحلة إيليا، وفي (فيرونيكا تريد أن تموت) في الرحلة داخل مستشفى الأمراض العقلية، وفي (إحدى عشرة دقيقة) في رحلة البطلة من البرازيل الى شارع البغاء في سويسرا، وها هو في (الزّهير) يرتكز على رحلة بطله الكاتب الشهير، داخل باريس ثم الى كازاخستان وسهوبها الشاسعة، بطل الرواية الذي يسردها بضمير المتكلم كاتب مشهور جدا على مستوى العالم، ويمكن القول إن هذا البطل هو باول كويللو نفسه، وما يورده في الرواية من تأملات هي تأملاته، ومعظم الأحداث أو المواقف هي مقاطع من حياته المعاصرة الحقيقية وتعكس رؤاه لهذا الحياة وما يحكمها من قناعات أو عادات، أو أقنعة، أو مفاهيم يسعى لخلخلتها، أو فضحها وكشف زيفها، أو تهافتها بشكل واضح مباشر دون اللجوء الى الاسقاطات كما في رواياته التي تتخذ من التاريخ أو التراث إطارا لها كالخيميائي أو الجبل الخامس.

هناك تشابه في فكرة "الخيميائي"، وفكرة "الزّهير" تتلخص في أن الإنسان يملك كنزه بين يديه، لكنه لا يكتشفه إلا بعد رحلة مضنية، يكتشف فيها نفسه أولا، وهكذا يرى كنزه بعد جلاء بصيرته، والتحرر من كل ما تراكم على فطرته من موروثات بالية، وقناعات جاهزة جامدة، وما تخفّى خلفه من أقنعة زائفة.

فالكاتب المشهور تختفي زوجته فجأة دون أن تقول وداعاً وهي التي تحبه ويحبها، هذه الزوجة (استير) تعمل صحافية وتغطي بشكل عام مناطق الحروب والنزاعات في أنحاء مختلفة من العالم، البحث عنها والتحقيق الذي تشترك فيه الشرطة يشير الى أن آخر من كان معها شخص اسمه ميخائيل، يسعى ميخائيل للقائه ويخبره أنه يريدإبلاغه رسالة أن زوجته بخير، لتبدأ علاقة غريبة بين ميخائيل والمؤلف الذي يظن أن استير تركته لأنها على علاقة به، وميخائيل هذا هو شاب من كازاخستان كانت استير قد استخدمته كترجمان لها خلال زيارة صحافية لها إلى هناك، ثم ساعدته في احضاره الى باريس، يكتشف المؤلف شيئا فشيئا أن ميخائيل عضو في جماعة هدفها تفجير طاقة الحب في العالم أجمع، وهم لذلك يعقدون لقاءات في المطاعم، ومع المشردين، لتعليم الناس تحرير أنفسهم واكتشاف طاقة الحب، ويكشف ميخائيل تدريجيا للمؤلف أن استير زوجته كانت واحدة من المجموعة، ثم يبلغه أنها الآن في إحدى قرى كازاخستان تعيش من حياكة السجاد وتعليم اللغة الفرنسية، لينتهي به الأمر الى السفر الى كازاخستان وسهوبها الشاسعة مع ميخائيل من أجل لقاء زوجته استير التي تكون هناك في انتظاره بعد أن استطاع أن ينسى تاريخه الخاص، وأن يشرع روحه لطاقة الحب الحاضرة في كل مكان وكل شئ.

هذا مختصر مكثف للحكاية، أو الخيط الذي ينتظم الرواية، وهي حكاية كما نرى تتضمن رحلة ظاهرية للمؤلف تتمثل في بحثه عن زوجته المفقودة، لكن الرواية هي الرحلة المضنية عبر الأسئلة العميقة عن معنى الحياة، والحرية والموت، والحب والحرب، والقدر، أسئلة عن الجسد، والروح، والقوى الخفية في الكون التي تتحكم في الإنسان و القوى الكامنة في أعماقه والتي يستطيع بواسطة اكتشافها وتفجيرها و الاسترشاد بها أن يحقق توازنه وتناغمه مع الحياة والكون والآخرين ومع نفسه، الأسئلة التي يفجرها كويللو في روايته هي بمثابة ألغام يضعها تحت كل ما استقر في عرف الناس وتقاليدهم وقناعاتهم وموروثاتهم التي حوّلتهم الى عبيد لها، وكلما فجّر سؤالاً، انهمر فيض من تأملاته العميقة: يقول عن الحرية: (في غمرة كفاحي، سمعت أشخاصا آخرين يتحدثون عن الحرية، وكلما دافعوا عن هذا الحق الفريد، استعبدتهم رغبات أهاليهم، استعبدهم زواج قطعوا خلاله وعد البقاء مع القرين مدى العمر، استعبدهم ميزان الوزن، و الحمية الغذائية، ومشروعات نصفها غير منجز، استعبدهم عشّاق عجزوا عن مصارحتهم بقول "لا"، أو "انتهت العلاقة"، واستعبدتهم عطل نهاية الأسبوع حين اضطروا الى تناول الغداء مع أشخاص لا يروقون لهم حتى، باتوا عبدة للثراء، لمظاهر الثراء، عبدة لحياة لم يختاروها، بل يعيشونها لأن أحدهم تمكن من اقناعهم بأنها لصالحهم..) ص28

أما عنوان الرواية الملفت للنظر (الزّهير) فقد جاء باللفظ ذاته باللغة البرتغالية الأصلية للرواية  O Zahir، فقد أوضح كويللو في صدر الرواية أنه (بالاستناد الى الكاتب الأرجنتيني خورخيه لويس بورخيس يعني الزّهير ما هو ظاهر، حاضر، ذلك الذي لا يمر مرور الكرام، إنه شخص أو شئ، ما أن يحدث اتصال بينه وبين الانسان حتى يستحوذ تدريجيا على فكره، ليتملكه في النهاية، تعتبر هذه الحالة إما جنون أو قدسية) ص17

وفي الرواية يقول بطلها الكاتب الشهير بعد اختفاء زوجته استير (زهيري له اسم، واسمه استير) ص67، ذلك أن حبه لها استحوذ عليه، ومما زاد هذا الاستحواذ سيطرة الهاجس الملحّ الذي لازمه وأقضّ مضجعه (لماذا هجرتني زوجتي) والذي من أجله كانت رحلته المضنية، وهي رحلة من أجل تطهير النفس من كل ما علق بها، من أجل تحريرها، تقول له صديقته ماري التي يتعرف عليها بعد اختفاء زوجته، وهي ترى عذابه بعد أن تعرف على ميخائيل الذي ظن أنه سرق منه زوجته استير (إن طاقة الحقد لن توصلك الى مكان، لكن طاقة الصفح التي تتجلى في الحب، ستحول حياتك بشكل ايجابي) ص82، و في محاولة منها لتفسير اختفاء زوجته تقول له (يخبرنا الكون متى نخطئ عندما عندما ينتزع منا أغلى ما لدينا، أي أصدقاءنا، وهذا ما حدث لك) ص80

واذا كان كويللو يطرح في روايته رؤيته لخلاصه الذاتي، فإنه أيضا يطرح رؤيته لخلاص الإنسان عبر ركائز ثلاث مبثوثة في الرواية عبر الحوارات والتأملات والمونولوجات التي تزخر بها صفحاتها الثلاثمائة وخمسين، وهي ركائز مترابطة مع بعضها البعض، وكل واحدة تفضي الى الأخرى.

الركيزة الأولى: هي الحب، الذي يرى أنه المادة الخام التي قام عليها الكون (جميع الرجال و جميع النساء مرتبطون كل بالآخر عبر طاقة يسميها العديد من الناس الحب، لكنها في الواقع المادة الخام التي قام عليها الكون، لا يمكن التلاعب بهذه الطاقة، إنها تدفعنا للأمام برقّة، وهي تحوي كل ما علينا تعلمه طوال الحياة، اذا حاولنا تسييرها في الوجهة التي نرغب فيها، يفضي بنا الأمر الى اليأس والاحباط، والخيبة، لأن هذه الطاقة حرة ومتوحشة، يمكننا أن نقضي ما تبقى من حياتنا نصرح بأننا نحب ذلك الشخص أو ذاك الشئ، في حين أننا في الحقيقة نعاني فحسب، لأننا عوضا عن تقبل قوة الحب، نحاول تقليصها بحيث تناسب قالب العالم الذي نتصور أننا نعيش فيه) ص182

أما ميخائيل صديق استير فيقول (يصبح العالم حقيقيا يوم يتعلم الإنسان كيف يحب، الى حينها سوف نعيش معتقدين أننا نعرف ماهية الحب، لكننا سنفتقر دوماً الى الشجاعة لمواجهته على حقيقته، الحب قوة غير مروضة، عندما نحاول السيطرة عليها، تدمرنا، عندما نحاول أسرها تستعبدنا، عندما نحاول فهمها ترمينا في الضياع والإرتباك، وجدت هذه القوة على الأرض لتسعدنا، لتقربنا من الله، ومن قريبنا) ص106

لكن استير زوجته التي اكتشفت هذه الحقائق قبله، واختفت من أجل دفعه الى اكتشافها، تلخص هذا المفهوم للحب الذي سيغير العالم بقولها (إن كان بوسع أحدهم أن يحب شريكه أو شريكته، بلا قيود، بلا شروط، فهو اذا يظهر حب الله، اذا ظهر حب الله سيحبّ جاره، اذا أحبّ جاره، سيحبّ نفسه، اذا أحبّ نفسه يعود كل شئ الى مكانه المناسب، ويتغير التاريخ، فلن يتغير التاريخ يوما بسبب السياسة أو الإحتلالات أو النظريات أو الحروب، هذا تكرار محض، هذا يحصل منذ الأزل، سوف يتغير التاريخ فقط متى استطعنا استخدام طاقة الحب تماما كما نستخدم طاقة الريح والبحار والذرة) ص119

الركيزة الثانية: هي تخلّي الانسان عن تاريخه الخاص كشرط لوصول طاقة الحب الى روحه، تسأل استير الرحّالة المسنّ (لماذا الناس حزانى، يقول: هذا بسيط، انهم سجناء تاريخهم الخاص، الكل يعتقدون أن هدف الحياة الأساسي هو اتّباع مخطط ما، لا يسألون أبدا إن كان هذا المخطط هو مخططهم أم أن شخصا آخر قد وضعه لهم، هم يراكمون التجارب، الذكريات، الأشياء، أفكار الآخرين، وهذا يفوق ما يمكنهم مجاراته، ولهذا ينسون أحلامهم) ص214

ويضيف في موقع آخر (لكي تنفذ طاقة الحب الحقيقية الى روحك، ينبغي لروحك أن تكون كما لو أنها ولدت من توّها، لماذا الناس تعساء، لأنهم يريدون سجن تلك الطاقة، وذلك مستحيل، نسيان تاريخك الخاص يعني الحفاظ على صفاء تلك القناة، السماح لتلك الطاقة يوميا أن تتجلّى بأي طريق تختارها، السماح لنفسك الاسترشاد بها) ص216

وعندما يتخلى الإنسان عن تاريخه الخاص، ويفرغ ذلك الحيز من نفسه الذي كان مملوءا بالوهم عليه أن يملأ ذلك الحيز بسرعة( بقصص مختلفة، بتجارب لم نجرؤ يوما على خوضها، أو لم تُرد خوضها، هكذا نتغير، هكذا ينمو الحب، وعندما ينمو الحب، ننمو معه) ص217

ويغوص بعيدا في استكشاف ما يعيق الإنسان عن التقدم، ويقتبس من كتاب الممارسات السحرية في شمال المكسيك فقرة عما يدعونه  A Comodador أي لحظة التخلّي (هناك على الدوام حدث في حياتنا يعرقل تقدمنا، أذى، هزيمة مريرة على الأخص، خيبة في الحب، وحتى نصر لم نفهمه تماما، قد يحولنا الى جبناء، ويحول دون أن نمضي، يعمد المشعوذ كجزء من تعزيز قواه الخفية، الى التحرر أولاً من لحظة التخلّي، وليفعل ذلك عليه استرجاع حياته كلها ومعرفة موضع حدوث هذا التخلّي) ص244

وفي نقده ونبشه على ما يشكل هذا التاريخ الخاص لكل انسان والذي هو مجموعة من الأوهام والقواعد البالية التي تسجن الإنسان داخل جدرانها الصدئة، يقول بألم ومرارة ساخرة (علينا تناول وجبات ثلاث في اليوم، حتى و إن كنا لا نشعر بالجوع، وعندما لا توافق مقاييسنا مقاييس النموذج السائد للجمال علينا أن نلجأ الى الصوم حتى وإن كنا نتضور جوعا، علينا أن نلبس ما يمليه الدارج، أن نمارس الحب سواء كنا نشعر بالرغبة في ذلك أم لا، أن نقتل باسم حدود بلادنا، أن نتمنى انقضاء الوقت لنستعجل أوان التقاعد، أن ننتخب سياسيين، أن نتذمر من غلاء المعيشة، أن نغير تسريحة الشعر، أن ننتقد كل ما هو مختلف، أن نذهب الى خدمة دينية يوم الأحد أو السبت أو الجمعة بحسب ديننا، حيث نطلب مغفرة لخطايانا، وأن ننفش ريشنا كالطواويس لأننا ندرك الحقيقة، ونحتقر القبيلة الأخرى التي تعبد إلهاً مزيفاً..) ص274- 275

ويلخص فكرته بضرورة نسيان التاريخ الخاص لكل منا باستعارته عبارة الرجل الرحّالة في كازاخستان (إن علينا أن ننسى من نعتقد أنه نحن، لكي نصبح من نحن بالفعل) ص302، أي أن يعود الإنسان الى براءته وفطرته الأولى بعد أن ينفض عنها كل ما علق بها من موروثات تصب الإنسان في قوالب جامدة وتجعله عبداً لها.

أما الركيزة الثالثة: فهي الإيمان بالغيب، أي الإيمان بالله، وبأن كل ما يحدث للإنسان له علاقة بهذا الغيب، وعلى الإنسان أن يتعلم كيفية التعامل مع هذا الغيب، يقول لصديقته ماري وهو يأخذها الى المطعم الأرمني الذي يقدم فيه ميخائيل وجماعته عرضهم الروحي، (سوف تتعلمين أو بالأحرى تدركين أشياء ثلاثة مهمة، أولاً، بمجرد أن يقرر الناس مواجهة مشكلة يدركون أنهم ذوو مقدرة تفوق تصورهم، ثانياً، إن كل طاقة و كل معرفة تنبع من المصدر المجهول نفسه، ما ندعوه الله في العادة، ومنذ أن خطوت خطواتي الأولى على ما أعتقد أنه دربي، أحاول أن أكرم تلك الطاقة، أن أتصل بها يوميا، أن أبيح لنفسي الإسترشاد بالإشارات، أن أتعلم القيام بالفعل وليس التفكير فيه، ثالثاً، لا أحد منعزل في مشكلاته، هناك دوما شخص آخر يفكر أو يبتهل، أو يتعذب بالطريقة نفسها، وهذا يمنحنا القوة لكي نتصدى للتحدي المتربص أمامنا) ص139- 140

والايمان بالغيب، والايمان بالله هو الذي يجلو البصيرة فيصبح كل شئ له معنى، وفيه رسالة، تقود المرء في طريق حياته، (أؤمن بالاشارات، بعد أن مشيت الدرب الى سنتياغو، تغير كل شئ تماما، ما نريد معرفته قابع دوما أمامنا، ما علينا سوى النظر من حولنا باحترام وانتباه لكي نكتشف أين يشاء الله أن يقودنا، وما الخطوة التالية التي يجب أن نخطوها، تعلمت أيضا احترام الغوامض، يقول اينشتاين: إن الله لايلعب النرد مع الكون، كل شئ مترابط وله معنى، قد يبقى ذاك المعنى مستترا طوال الوقت تقريبا، لكننا نعرف دوماً أننا على مقربة من مهمتنا الحقة على الأرض، عندما تلامسنا طاقة الحماسة) ص179

ومعرفة أن كل شئ له معنى، وأن الحياة ليست عبثاً هي التي تجعل لكل لحظة فيها قيمة حقيقية (عرفت العديد من الناس الذين كفّوا عن العيش، ومع أنهم واصلوا العمل و الأكل و الإنخراط في نشاطاتهم الإجتماعية المعتادة، فعلوا كل شئ تلقائيا، غافلين عن اللحظة السحرية التي يحملها كل يوم معه، لم يتوقفوا يوما للتفكير في معجزة الحياة، لم يفهموا يوما أن اللحظة التالية قد تكون الأخيرة على وجه الأرض) ص184، هؤلاء الذين يقول عنهم أنهم كفّوا عن العيش، وواصلوا الأكل والعمل هم الذين يعيشون القصة التي رويت لهم، القصة المتوارثة المكررة التي ينخرط فيها الناس دون تأمل، والتي تحجب عنهم القصة الحقيقية للحياة (إن العالم الذي نعرفه اليوم هو مجرد قصة رُويت لنا، لكنها ليست القصة الحقيقية، القصة الأخرى تتضمن العطايا الخاصة والقوى، القدرة على الذهاب الى ما يجاوز حدود معارفنا) ص222

وهذه القوى التي يعنيها كويللو تتمثل في تلك الإشارات التي يلتقطها المؤلف والتي تلهمه رسالة ما، (وهذا ما يتكرر في روايات كويللو بشكل دائم)، وتتمثل في الأصوات التي يسمعها ميخائيل مما يسميها السيدة التي تتراءى له منذ صغره، وهي أصوات وإشارات يراها كويللو قادمة من الغيب لكل الناس (الجميع يسمعون أصواتاً طوال الوقت، وهي التي تساعدنا لنعرف متى نكون وجهاً لوجه مع إشارة) ص241

ولعل كويللو يلخص فهمه للألوهية بقوله (الألوهية موجودة في كل زمان ومكان، لا يسعك أن تنزع الألوهية من قلب الطبيعة وتحصرها في كتاب، أو بين جدران أربعة) ص330

هذه الركائز الثلاث التي تدور عليها مضامين رواية الزّهير، والتي هي دعوة حارة يلحّ عليها كويللو في كل أعماله لإعادة الإنسان الى براءته وفطرته النقية التي جبله الله عليها، كي يتناغم مع نواميس الكون، ويكون ذلك الإنسان الذي خلقه الله، وليس الوهم الذي صنعه لنفسه، وهي دعوة يطرحها بأبسط الأساليب، وأوضح الكلمات، ولكن أكثرها عمقاً، وهذه هي ميزته المدهشة التي ينفرد بها بين كبار روائيي العالم.